آخر تحديث: 12 / 10 / 2026م - 4:23 م

القُبْح المُسْتَتِر

هاشم الصاخن *


أعمال الإنسان لا تقتصر على الأفعال الظاهرية التي يراها الآخرون، بل تشمل أيضًا أفعالًا باطنية قد لا يعلم بحقيقتها إلا صاحبها. وكما أن للأفعال الظاهرية صورًا من الحُسْن والقُبْح، فإن للأفعال الباطنية صورًا لا تقل عنها أثرًا وخطورة، خصوصًا حين تتعارض مع الصدق والأمانة والقيم الأخلاقية. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى حقيقة السلوك الإنساني، لا الاكتفاء بما يبدو منه للآخرين.

من المعروف أن هناك أفعالًا يدرك الإنسان قُبْحَها دون تردد، كالسرقة والنهب المباشر للأموال، والكذب والخداع والاعتداء على حقوق الآخرين، ولذلك يبتعد عنها ويرفض ممارستها، بل قد يستنكر صدورها من غيره. غير أن بعض من يرفضون هذه الأفعال ويستنكرونها قد يمارسونها هم أنفسهم بأساليب وطرق أخرى تختلف عن صورتها المعروفة، دون أن يشعروا بأنهم يرتكبون الأفعال ذاتها. وهنا تكمن المفارقة، إذ قد يرفض الإنسان فعلًا معينًا بصورته الظاهرة والمباشرة، لكنه لا يرى حرجًا في ممارسته بطريقة غير مباشرة، معتقدًا أن اختلاف الأسلوب يجعله فعلًا مقبولًا، رغم أن حقيقته قد لا تختلف عما يرفضه ويستنكره من الآخرين.

فقد يحرص الإنسان على ألا يأخذ مالًا ليس من حقه، لكنه قد يحصل عليه بطريقة أخرى يعتقد أنها مشروعة. وقد يرفض الكذب في حديثه المباشر، لكنه لا يجد حرجًا في تقديم معلومات مضللة لتحقيق مصلحة شخصية. وكذلك قد يستنكر الاعتداء على حقوق الآخرين، بينما يمارس بعض التصرفات التي تمس حقوقهم، معتقدًا أنها من الأمور العادية التي لا تستحق الوقوف عندها.

وهنا لا نتحدث عن اختلاف الأفعال في أشكالها فحسب، وإنما عن اختلاف نظرة الإنسان إلى ما يصدر عنه؛ إذ قد تكون لديه قناعة راسخة بحرمة فعل معين، لكنه لا ينتبه إلى أن بعض ممارساته اليومية تحمل المعنى نفسه، أو تؤدي إلى النتيجة ذاتها. وقد تكون هذه الممارسات مخالفة للشرع أو القانون أو القيم الأخلاقية، حتى وإن اعتقد صاحبها أنها صحيحة أو وجد لها مبررات يقنع بها نفسه.

ومن صور ذلك ما يحدث في بعض المعاملات المالية والتجارية، حين يسعى الإنسان إلى الحصول على منفعة أو تعويض لا يستحقه، مستفيدًا من ثغرة في الإجراءات، أو مقدمًا معلومات غير دقيقة، أو مستغلًا ظروفًا معينة لتحقيق مصلحة شخصية. وقد لا يرى في تصرفه شيئًا من السرقة أو الاحتيال، لأنه لم يأخذ المال بالقوة ولم يمد يده إلى أموال الآخرين بصورة مباشرة، وربما اعتَقَدَ أن قدرته على الحصول عليه تعني أحقيته فيه. لكن القدرة على الوصول إلى المال لا تعني بالضرورة مشروعية امتلاكه، كما أن قبول المعاملة من الجهة المعنية لا يجعلها صحيحة إذا كانت قائمة على الخداع أو إخفاء الحقيقة.

ولا تقف هذه الممارسات عند حدود المعاملات المالية، بل نجد لها صورًا متعددة في حياتنا اليومية؛ كمن يستأجر سيارة ثم يهمل المحافظة عليها بحجة أنها ليست ملكًا له، أو صاحب إحدى ورش الإصلاح الذي يتعمد تضليل الزبائن بشأن الأعطال وتكاليف إصلاحها للحصول على أموال لا يستحقها، إلى جانب تصرفات أخرى قد يحاول أصحابها تبريرها لأنفسهم، مع أنها تنطوي على إخلال بالأمانة أو اعتداء على حقوق الآخرين، وقد تكون مخالفة للشرع والقانون أيضًا.

ويمتد هذا السلوك إلى التعاملات اليومية البسيطة التي قد لا يمنحها الإنسان اهتمامًا كافيًا، كأن يستغل وقت الآخرين أو جهودهم لتحقيق غرض شخصي، وهو يعلم مسبقًا أنه لا ينوي الوفاء بما وعدهم به. وقد ينظر إلى الأمر باعتباره تصرفًا عاديًا لا يستحق المحاسبة، دون أن يفكر في مقدار الجهد الذي بذله الطرف الآخر، أو ما إذا كان تصرفه ينطوي على تضليل أو استغلال لا مبرر له.

ولا يختلف الأمر كثيرًا في العلاقات الاجتماعية، فقد يرفض الإنسان أن يتعرض للإساءة أو التجاوز من الآخرين، لكنه يسمح لنفسه بممارسات مشابهة تجاه جيرانه أو معارفه، مستندًا إلى أعذار قد تبدو له مقنعة. وربما لا يصنف ما يفعله ضمن الاعتداء على حقوق الغير، لأنه اعتاد هذا الأسلوب أو وجد من حوله من يمارسه، مع أن اعتياد التصرف لا يجعله صحيحًا، وانتشاره بين الناس لا يمنحه القبول الشرعي أو الأخلاقي.

إن خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند الضرر الذي قد ينتج عنها، بل تمتد إلى اعتياد الإنسان على تبرير أفعاله دون مراجعة حقيقتها. فمع مرور الوقت قد يصبح ما كان يستحق منه التوقف والتفكير سلوكًا مألوفًا لا يثير في نفسه أي تساؤل، وهنا تبدأ المشكلة حين تصبح القناعة الشخصية هي المعيار الذي يقيس به الإنسان صحة أفعاله، بدلًا من عرضها على ميزان الشرع والقانون والأخلاق.

علينا ألا نبحث عن مبررات لهذه التصرفات بحجة أن الطرف المقابل شركة تأمين أو محل تجاري أو زبون أو أي جهة أخرى، فحقيقة الفعل لا تتغير باختلاف من يقع عليه الضرر. والأولى أن نتوقف عند الفعل نفسه، ونسأل عن مشروعيته قبل أن ننظر إلى الجهة التي وقع عليها الفعل. فما كان محرمًا شرعًا أو مخالفًا للقانون أو مرفوضًا أخلاقيًا لا يصبح مقبولًا لمجرد اختلاف الطرف المتضرر أو قدرته المالية. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ «البقرة: 188». فالعبرة ليست بمن أخذنا منه أو تعاملنا معه، وإنما بحقيقة ما فعلناه، ومدى موافقته للشرع والقانون والأخلاق.

سيهات