آخر تحديث: 12 / 10 / 2026م - 7:21 م

الحرب السيبرانية: المعارك التي لا نراها لكنها تؤثر

عباس قاسم الملاحي * صحيفة الجزيرة

قد تستيقظ مدينة على انقطاع الكهرباء، أو تتوقف خدمات مستشفى عن العمل، أو تتعطل أنظمة مؤسسة مالية دون أن تسمع صوت انفجار واحد. لا طائرات في السماء، ولا دبابات في الشوارع، ومع ذلك قد تكون المدينة قد تعرضت لهجوم حقيقي، انطلق من خلف شاشة حاسوب على بعد آلاف الكيلومترات.

هذه هي الحرب السيبرانية؛ معارك صامتة لا تُقاس خسائرها بعدد المباني المدمرة، بل بحجم البيانات المسروقة، والخدمات المتوقفة، والثقة التي يفقدها الناس في الأنظمة التي تدير حياتهم اليومية.

لقد تغير مفهوم الحرب؛ فلم تعد السيطرة على الأرض وحدها هدفاً، بل أصبحت السيطرة على المعلومات والأنظمة الرقمية وسيلة للتأثير في الدول واقتصاداتها ومجتمعاتها.

في الحروب التقليدية، تستهدف الجيوش المواقع العسكرية والبنية التحتية، أما في الفضاء السيبراني، فقد يكون الهدف شبكة كهرباء، أو نظاماً مصرفياً، أو قاعدة بيانات حكومية، أو منظومة اتصالات. وقد تبدأ العملية برسالة بريد إلكتروني تبدو عادية، لكنها تحمل برمجية خبيثة تفتح الطريق إلى أنظمة أكثر حساسية.

ولا تقتصر خطورة هذه الهجمات على تعطيل الأجهزة؛ فقد تسعى إلى سرقة المعلومات، أو التلاعب بالبيانات، أو نشر معلومات مضللة لإرباك المجتمع وإضعاف الثقة بالمؤسسات. وفي بعض الحالات، تصبح الهجمات الرقمية جزءاً من صراع أوسع بين الدول، بينما تنفذ جهات إجرامية هجمات مشابهة لأغراض مالية، وهو ما يجعل التمييز بين الجريمة السيبرانية والحرب السيبرانية أمراً بالغ الأهمية.

لم تكن المملكة بعيدة عن هذه التحديات؛ ففي عام 2012، تعرضت شركة أرامكو السعودية لهجوم ببرمجية «شمعون»، تسبب في الإضرار بنحو 30 ألف جهاز حاسوب. وأظهرت الحادثة أن الهجوم الرقمي قد يستهدف مؤسسة اقتصادية كبرى دون أن يحتاج المهاجم إلى الاقتراب من منشآتها. وقد أوضحت أرامكو آنذاك أن الأضرار لم تمتد إلى أنظمة عملياتها الفنية.

اليوم، مع توسع الاقتصاد الرقمي السعودي، أصبحت حماية الأنظمة مسألة تتجاوز أقسام تقنية المعلومات. فتوقف منصة تجارية قد يعطل مبيعات المنشآت الصغيرة، واختراق بيانات العملاء قد يضر بسمعة الشركات، وتعطل الأنظمة اللوجستية قد يؤثر في سلاسل الإمداد.

من هنا، لم يعد الأمن السيبراني مجرد تكلفة تقنية تتحملها المؤسسات، بل استثمار في استمرارية الأعمال وحماية الاقتصاد الوطني.

قد يبدو الحديث عن الحرب السيبرانية بعيداً عن الفصول الدراسية، لكنه أقرب إليها مما نتصور. فاختراق نظام تعليمي قد يؤدي إلى تسريب بيانات الطلاب أو تعطيل الاختبارات والخدمات الإلكترونية، بينما قد تتسبب رسالة احتيالية تصل إلى موظف في كشف معلومات مؤسسته.

وفي سوق العمل السعودي، قد يتلقى موظف رسالة تبدو صادرة من مديره، تطلب منه تحويل مبلغ مالي أو مشاركة ملف سري. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت الرسائل المزيفة أكثر إقناعاً، بل بات بالإمكان تقليد الأصوات والصور لخداع الضحايا.

ولهذا، فإن بناء الوعي الرقمي لا يقل أهمية عن بناء الأنظمة الدفاعية. وقد أطلقت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني برنامج «آمن» بالتعاون مع وزارة التعليم وبرعاية سابك في أولى مساراته، لتعزيز الثقافة السيبرانية لدى مختلف شرائح المجتمع.

فالطالب الذي يتعلم التحقق من الروابط وحماية حساباته اليوم، قد يصبح غداً موظفاً قادراً على حماية بيانات مؤسسته، أو متخصصاً يسهم في الدفاع عن البنية الرقمية للمملكة.

وقد أدركت المملكة أن التحول الرقمي لا يكتمل دون أمن يحميه، فجعلت حماية الفضاء السيبراني جزءاً من أولوياتها الوطنية. وتعمل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني على تعزيز حماية المصالح الحيوية والبنى التحتية والقطاعات ذات الأولوية، وبناء القدرات الوطنية في هذا المجال.

لكن المسؤولية لا تقع على الجهات المختصة وحدها؛ فالمؤسسة التي تهمل تحديث أنظمتها، والموظف الذي يشارك كلمة مروره، والمستخدم الذي يفتح رابطاً مجهولاً، قد يفتحون ثغرات تستغلها جهات أكثر تنظيماً.

إن المعركة السيبرانية لا تبدأ دائماً بهجوم معقد، فقد تبدأ بنقرة واحدة، ولا تنتهي بمجرد استعادة الأنظمة، بل باستعادة الثقة أيضاً.

وفي عالم تتداخل فيه حياتنا مع التقنية، لم يعد السؤال عما إذا كانت الحرب السيبرانية ستؤثر علينا، بل عن مدى استعدادنا لمواجهتها. فالأمن الوطني اليوم لا تحميه الحدود الجغرافية وحدها، بل تحميه أيضاً شبكات آمنة، وكفاءات وطنية مؤهلة، ومجتمع يدرك أن حماية الوطن قد تبدأ أحياناً من شاشة هاتفه.

تربوي وتقني متخصص في التحول الرقمي، يجمع بين الخبرة التعليمية وتطوير الحلول الذكية وتحليل البيانات، ويوظف التقنية والتصميم الإبداعي لرفع كفاءة الأداء وخدمة المؤسسات التعليمية.