غرباء في ظلال المألوف

للخطأ الذي نشأنا في صحبته وجوه نحبها. نسمعه في صوت أب، ونتلقاه مقرونًا بحرص أم، ويصلنا ممّن منحونا الحماية قبل أن نملك القدرة على السؤال. يصعب تفكيكه لاحقًا، إذ تمتد جذوره إلى الذاكرة التي نستمد منها طمأنينتنا. وما إن نقترب منه بالحجة حتى تستيقظ فينا محبة أصحابه، ويبدو تصحيحه خذلانًا لهم.
من هنا يستمد المألوف سلطته: من قدرته على جعل المسافة بين نقد الفكرة وجرح صاحبها ضيقة إلى حد يلتبسان معه. نستعيد فضل من علّمونا، ونسند به ما قالوه، دون أن ننتبه إلى أن الإنسان يستطيع أن يمنحنا المحبة ويورثنا خطأ في الوقت نفسه. تظل محبته حقيقية، ويظل الخطأ محتاجًا إلى مراجعة؛ غير أن جمع الحقيقتين أصعب على النفس من الاحتماء بإحداهما.
ومع التكرار، تفقد الفكرة تاريخها. ننسى الظروف التي أنشأتها، والحاجة التي لبّتها، والحدود التي كانت صالحة داخلها. تصل إلينا وقد انفصلت عن سياقها، واستمدت من طول البقاء حقًا في الاستمرار. يصبح عمرها حجة، وتغدو كثرة من رددوها بديلًا من النظر في آثارها.
وقد نحرس رأيًا بعد رحيل صاحبه، مع أنه ربما كان سيغيّره لو امتد به العمر. نثبّته في لحظة من حياته، ونحسب وفاءنا لتلك اللحظة وفاءً له كله. نسمح لأنفسنا بالتعلّم، ونحتفظ له في الذاكرة بصورة لا تتعلم. وبعض ما ندافع عنه باسم الراحلين هو خوفنا من أن تتغير علاقتنا بما تركوه.
وحين يستقر المألوف في موضع الصواب، يدخل المختلف إلى الحديث حاملًا عبء تبرئة نفسه. تُفحَص نيته قبل حجته، وتُراقَب نبرته قبل معناه، ويُسأل عن حقه في الاعتراض قبل أن يُنظر في موضوعه. يتقدم الشخص إلى المحاكمة، ويبقى الخلل الذي كشفه بعيدًا عن الفحص. هكذا تستطيع الجماعة أن تتخلص من قلق السؤال بإضعاف مكانة سائله.
للإقصاء هنا وجوه لا تبدو عدائية: ابتسامة تستصغر، وصمت يطول، وحديث آخر يُفتح قبل اكتمال العبارة. يعرف المرء من هذه الإشارات مقدار ما يُسمح له بإظهاره من نفسه. يبدأ بتلطيف اعتراضه، ثم يؤجله، ثم يغادر اللقاء وقد حافظ على دفء العلاقة وحمل كلامه إلى عزلة أخرى.
تبلغ الخسارة مداها عندما يتولى الإنسان حراسة صمته. يستبق ردود الآخرين، ويحذف ما يتوقع أنهم سيضيقون به، ويختار من أفكاره ما يمر دون أثر. يُمدح هدوؤه، فيطمئن إلى الاسم الجميل الذي مُنح لتنازله. وفي داخله، تتسع المسافة بين ما يعرفه وما يستطيع أن يعيش به علنًا.
هذا الانقسام مرهق؛ أن يتحدث الإنسان بصوت تقبله الجماعة، ويفكر بصوت لا تجد له مكانًا بينها. ومع طول الممارسة، قد يضيق الإصغاء إلى صوته الثاني. يتعلم الانصراف عن أسئلته كما تعلّم الآخرون الانصراف عنها، ويصبح قادرًا على إسكات نفسه دون أن يشعر أن أحدًا أسكته.
وللتجاوز ضرورته في العلاقات؛ فالقرب يفسده التدقيق في كل هفوة. غير أن الصفاء الذي يقوم دائمًا على تنازل الطرف نفسه يحمل ظلمًا مستترًا. شخص يكرر الأذى، وآخر يُكلَّف بفهم دوافعه، وتخفيف أثره، وحماية صورته. يُمدح صبر المتضرر، ويستمر المؤذي مطمئنًا إلى أن العلاقة بخير.
بعض الانسجام الذي نراه صنعه إنسان تعلّم ألا يقول ما يؤلمه. وقد يُفسَّر صمته رضًا، ثم يُستغرَب اعتراضه المتأخر، ويُسأل لماذا تغيّر؛ كأن طول احتماله أسقط حقه في التوقف.
ويمتد سلطان المألوف إلى المؤسسات. يُطالب مقترح التغيير بإثبات جدواه، وتُعفى الممارسة القديمة من تبرير استمرارها. وإذا اتصلت بمكانة أصحابها، صار نقدها مساسًا بتلك المكانة، وتحول السؤال عن الكفاءة إلى اختبار للولاء. ينشأ خطاب يثني على الإجراء، وعمل يتحايل عليه لإنجاز المطلوب. يعرف الجميع موضع الخلل، ويجد كل فرد منفذًا خاصًا لتجاوز عواقبه؛ تنجح النجاة الفردية، ويتأخر الإصلاح المشترك.
وقد يدافع الإنسان عن المألوف لأنه أقام عليه عمرًا. اختار به، وربّى وفقه، وحكم به على آخرين. مراجعة الفكرة تستدعي مراجعة أفعاله، وتضعه أمام وجه جرحه، وفرصة منعها، وقسوة مارسها مطمئنًا. يخشى سقوطها لأن صورته عن نفسه تستند إليها. يصير السؤال ثقيلًا بما يكشفه من ماضٍ، ويغدو العناد محاولة لحماية ذلك الماضي من معنى جديد.
الاعتراف بالخطأ يقتضي احتمال أن يكون إخلاصنا قد أفضى إلى ضرر، وأن محبتنا لم تمنح أفعالنا براءة دائمة. نحتاج إلى رؤية أنفسنا بما يتجاوز نياتنا، وإلى سماع أثرنا في الآخرين دون أن نطالبهم أولًا بالاعتراف بحسن مقصدنا. فالنية تخص صاحب الفعل، أما أثره فيعيش في حياة من تلقاه.
وتتعثر هذه المراجعة حين يُستقبل الاعتراف بالتشفي. يُحبس المرء داخل خطئه، وتُستدعى كلمته ضده كلما تكلم، فيتعلم حماية صورته أكثر مما يتعلم تصحيحها. المجتمع الذي لا يمنح التراجع كرامته يساعد الخطأ على البقاء؛ يرفع كلفة الاعتراف، ثم يشكو من ندرة المعترفين.
ويخضع الاختلاف للمساءلة نفسها. قد يتعلق صاحبه بصورة الخارج عن السائد، ويأنف من الموافقة ولو قادته إليها الحجة. تصبح المخالفة شرطًا لرضاه عن نفسه، ويختار ما يحفظ تميزه قبل أن يفحص ما يختاره. يظل الرأي أسيرًا حين يؤدي وظيفة حماية صاحبه، سواء طلب به قبول الآخرين أم إعجابهم باستقلاله.
أصعب ما نراجعه حاجتنا إلى الظهور على صواب. يستطيع العقل أن يجمع لها الأدلة، ويمنح دفاعه عن الذات لغة المعرفة. أما نضجه فيظهر حين يستطيع الإنسان تغيير موقف دون أن يشعر أنه فقد كرامته، وحين يمنح حجة خصمه حقها دون أن يعدّ ذلك تنازلًا عن نفسه.
نستطيع الاحتفاظ بفضل من علّمونا، وتجاوز ما أخطؤوا فيه. فما تلقيناه أمس صار مسؤوليتنا اليوم، وسيبلغ آخرين بأصواتنا، مقرونًا بالمحبة التي يحملونها لنا. هناك تبدأ أمانتنا: أن نمنع خطأ ورثناه من اكتساب حصانة جديدة في محبتهم.
ويستحق الانتماء أن نستعيد له سعته؛ مكانًا نحضر فيه بوعينا كاملًا، ونعترض دون أن تُسحب منا المحبة. فالذي يكشف خللًا في جماعته يضع ثقته فيها على المحك، ويرجو أن تستطيع سماع ما يؤلمها، وأن يبقى له فيها موضع بعد قوله.
أما الجماعة التي تضيق بالسؤال، فقد تحتفظ بأبنائها في مقاعدهم وتفقدهم في الحديث. يعرفون الوجوه، ويشاركونها الطقوس، ويحمل كل منهم إلى اللقاء جزءًا أقل من نفسه.
وتلك أعمق غربة يصنعها المألوف: أن يبقى مكاننا محفوظًا بين من نحب، ويصبح الصمت شرط إقامتنا فيه.












