بماذا نريد أن نميّز أنفسنا؟

في عالم التميز المحمود برع بعض الأفراد في المجتمعات في أمور معينة واضمحل إبداعهم في أمور أخرى. فمثلًا، برع أفراد من الصين واليابان في توطين التكنولوجيا والصناعة، وبرع أفراد من بنغلاديش في خياطة الملابس حتى اجتذبوا العلامات التجارية العالمية الفاخرة لتصنيع ملابسها في بنغلاديش، وبرع بعض المهندسين من ألمانيا في صناعة الآلات الضخمة والسيارات حتى أصبحت ألمانيا رمزًا للدقة والبراعة في الصناعة، وأبدع أفراد من بريطانيا في الكتابة والإعلام وإدارة العقارات الدولية، وتفوّق شباب من الهند في تطوير تطبيقات الحاسوب والبرمجيات الرقمية، وبرع بعض شباب مصر في مجالات الطب والتعليم والهندسة الزراعية، وبرع بعض شباب لبنان في الإدارة المالية وإدارة الفنادق والمطاعم، وبرع بعض شباب السعودية في الإدارة التنفيذية والتشغيلية لمرافق النفط والطاقة، إلخ. تلك البراعة وذلك الإبداع يجعلان العالم يترقب كل جديد من أبناء تلك الدول في هذا أو ذاك المجال.
شخصيًا، أتقدم بالشكر إلى كل أب وأم وطالب وموظف وتاجر وصاحب مهنة سعى ويسعى لأن يعطي أجود وأكفأ ما عنده ليُحدث فرقًا مميزًا في حياته وحياة من يحيطون به ومجتمعه.
لو سألك أحد من الناس: ما هي قوائم التميّز في مجتمعك؟
قد يحتاج ذلك الأمر إلى بعض الوقت لتجيب عنه. بما أنك بدأت تستحضر الإجابة عن السؤال، وفي أثناء إعدادك للجواب، دعني أورد التالي:
تتفاخر بعض العوائل والبيوتات وبعض المجتمعات، وهذا من حقها، بأن جدها الأكبر كان رجل دين مميزًا جدًا، أو أن جدها كان شيخ قبيلة محنكًا، أو أن جدّ جدها كان رجلًا يُضرب به المثل في الشجاعة والأدب وعلم الفلك وقضاء حوائج المحتاجين، وغيرها من المجالات. هل تساءلت يومًا ما، في أي مضمار يتميز أفراد مجتمعك أنت؟ وإذا لم يكن هناك تميّز شاخص للعيان سوى كثرة الولائم وتعدد السفرات وركوب أفضل السيارات كما هو منشور على إنستغرام، فهل هناك نية أو إمكانية لوضع برامج وخطط وخرائط طريق لصناعة التميّز والمجد لدى كل فرد مؤهل لذلك داخل أسرتك ومجتمعك؟
لا نقاش في أن كتابة تاريخ منطقة أو تاريخ شخص مؤثر رحل على أيدي أبناء المنطقة أنفسهم مهمة أخلاقية رئيسية لحفظ الحقوق وتجنب المغالطات وتفادي التزوير. إلا أن التفاخر الشكلي المختلط ببعض الرياء أو المزايدة بين بعض الأقوام والفصائل قد يتطور حتى يصل إلى مرحلة استجداء أمجاد سكان المقابر بدلًا من استنهاض الهمم وصناعة الأفضل لواقع أجمل. قصص التاريخ الملهمة والكتابات الناهضة لا تُحكى لمداعبة مشاعر البعض ثم إسكات ضمائرهم، بل تُحكى للرجال الأذكياء لكي يستلهموا منها، وينهضوا، ويستعدوا، ويبادروا، ويصنعوا مستقبلًا أفضل لأنفسهم ولمن يأتي بعدهم.
التميز صناعة، ومن الذكاء والفطنة وحسن التدبير السعيُ الدؤوب لاقتناص الفرص المشروعة عبر القراءة الجيدة للمشهد كاملًا، وحسن توظيف التقنية، والتدارس مع أهل الفكر والرأي الناضج، واستنطاق التجارب الثرية لأهل الخبرة. لأن القراءة الجامدة للسرديات والقصص دون استنطاقها هي تغنٍّ بالماضي وترسيخ لجلد الذات والتفرج على ضياع الفرص وتباهي الصلعاء بشعر ابنة أخيها. وعليه، نحفّز الجميع على السعي الدؤوب لصناعة أيقونة ذات قيمة فعلية لنفسه ولمجتمعه ولوطنه ودينه.













