آخر تحديث: 12 / 10 / 2026م - 2:00 ص

الفنان التشكيلي عبدالعظيم الضامن.. سفير المحبة والسلام

حسين الدخيل *


في مساء يوم الثلاثاء الموافق 6 أكتوبر 2026 م، زرت الفنان التشكيلي القدير عبدالعظيم الضامن «أبو محمد»، في منزله بجزيرة تاروت بمحافظة القطيف، وذلك في إطار التواصل الاجتماعي والثقافي، وتقديرًا لما يقدمه من إسهامات فنية وثقافية بارزة.

وخلال الزيارة، دار حديث بيننا تناولنا فيه مسيرته الفنية وبداياته وما حققه من إنجازات، وما قدمه من أعمال تشكيلية أسهمت في إثراء الحركة الفنية والثقافية في محافظة القطيف وعلى مستوى المملكة. كما استعرض جانبًا من تجاربه الفنية ورؤيته للإبداع ودور الفن في خدمة المجتمع وتعزيز القيم الإنسانية والجمالية.

والفنان عبدالعظيم الضامن يتمتع بأخلاق رفيعة وتواضع، ويحظى بمحبة الناس، وكوَّن علاقات قوية، وابتسامة لا تفارق محياه، إلى جانب مكانته الفنية التي جعلت منه أحد الأسماء البارزة في مجال الفن التشكيلي.

وخلال الحديث الشيق الذي دار بيننا، أكد أهمية التواصل بين أبناء المجتمع من مختلف أنحاء المملكة وخارجها، وتبادل الخبرات والأفكار؛ لأنها تعزز أواصر المحبة والتقدير بين الجميع.

وأهديته نسخة من كتابي «الكلمة الطيبة»، وتحدثت عن محتواه، وهو مجموعة من المقالات المتنوعة التي تتناول التسامح، والكلمة الطيبة، والصبر على البلاء، والحلم، والابتسامة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وغيرها من الموضوعات.

إلى جانب قسم آخر من الكتاب يتناول شخصيات اجتماعية خدمت المجتمع، واستحقت أن تُذكر ويُكتب عنها وتُكرَّم في حياتها، لا بعد وفاتها.

وبدوره أهداني أيضًا كتابًا جميلًا بعنوان «فسيفساء»، وهو مجموعة من المقالات الثقافية والفنية والأدبية.

من هذا المنطلق، أحببت أن أكتب نبذة مختصرة عن سيرة الفنان عبدالعظيم الضامن «أبو محمد»، ومهما كتبت عنه الأقلام، فإنها، باعتقادي، لا تفي هذا الإنسان المعطاء حقه.

وشجعني على مواصلة الكتابة عن الأشخاص في حياتهم، لا بعد مماتهم.

وسوف نتطرق إلى سيرته ومسيرته الفنية.

وكان الحديث مع الفنان عبدالعظيم شيقًا وجميلًا، وبعد الضيافة وحسن الاستقبال، قدّم لي نبذة عن كل لوحة موجودة في مرسمه الجميل، «مرسم المحبة والسلام». وكانت اللوحات جميلة، وكل لوحة تحكي قصة.

واقترحت عليه تصوير كل لوحة والكتابة عنها وعن تفاصيلها، وجمعها في كتاب، وإن شاء الله يطبّق الفكرة ونرى الكتاب قريبًا.

سيرته ونشأته

حين يُذكر الفن التشكيلي في محافظة القطيف، وجزيرة تاروت على وجه الخصوص، يبرز اسم الفنان التشكيلي والكاتب السعودي عبدالعظيم محمد الضامن، بوصفه أحد الرواد الذين أسهموا في إثراء الحركة التشكيلية السعودية، وقدموا نموذجًا للفنان الذي جمع بين الإبداع الفني والعمل الثقافي والتطوعي وخدمة المجتمع.

وُلد الفنان عبدالعظيم محمد الضامن في جزيرة تاروت بمحافظة القطيف عام 1383 هـ، الموافق 1963 م، ونشأ وسط بيئة غنية بالموروث الشعبي والتراث البحري والتاريخ العريق الذي تتميز به الجزيرة. وقد كان لهذا المحيط أثر بالغ في تشكيل رؤيته الفنية، حيث أصبحت تاروت، بكل تفاصيلها من قوارب الصيد والنخيل والبيوت التراثية والأسواق الشعبية، حاضرة في أعماله ولوحاته الفنية.

تلقى تعليمه في تاروت حتى المرحلة الثانوية، ثم التحق بجامعة الملك سعود بالرياض، حيث حصل على درجة البكالوريوس في التربية الفنية عام 1407 هـ «1987 م»، ليبدأ بعد ذلك رحلة طويلة من العطاء في مجالي التعليم والفنون التشكيلية.

وعمل معلمًا للتربية الفنية، وأسهم في اكتشاف ورعاية العديد من المواهب الشابة التي وجدت في تجربته الفنية مدرسة متكاملة للإبداع والتميز.

مسيرته الفنية وتجربته التشكيلية

منذ بداياته الفنية، أظهر الضامن شغفًا خاصًا بالبحث عن التميز والتجديد، فاختار أن يبتكر أسلوبًا خاصًا به، مستلهمًا البيئة المحلية والتراث الشعبي.

وقد عُرف بتوظيف الرمزية الواقعية في أعماله الفنية، مع اهتمام كبير بالموروث الشعبي الذي كان يراه جزءًا من هوية المجتمع ورسالة الفن الحقيقية.

كما اشتهر بتجربته في إدخال خامة «الخيش» إلى اللوحة التشكيلية بطريقة مبتكرة، وهي تجربة لاقت استحسانًا واسعًا وأصبحت علامة فارقة في مسيرته الفنية.

شارك أيضًا في عشرات المعارض المحلية والدولية، حيث مثّل الفن السعودي في العديد من المحافل الثقافية والفنية.

ومن أبرز مشاركاته معرض «المملكة بين الأمس واليوم»، الذي أقيم في لندن وباريس والقاهرة، إلى جانب مشاركاته المستمرة في معارض جمعية الثقافة والفنون ورعاية الشباب والأندية الثقافية والفنية داخل المملكة.

كما أقام العديد من المعارض الشخصية التي عرض من خلالها رؤيته الفنية وتجربته الإبداعية، ومن أبرزها معارضه في الرياض والدمام والبحرين، والتي شهدت إقبالًا واسعًا من المهتمين بالفنون التشكيلية والنقاد والمتذوقين للفن.

مؤلفاته وإسهاماته الثقافية

في مجال التأليف والنقد الفني، قدم الضامن إسهامات أسهمت في توثيق الحركة التشكيلية السعودية ونشر الثقافة الفنية.

ومن مؤلفاته:

- كتاب «الجورنيكا»، دراسة نقدية.

- كتاب «الحركة التشكيلية في المنطقة الشرقية».

- سلسلة «فنانون سعوديون».

- كتاب «مبادئ الرسم والتلوين للموهوبين».

- كتاب «فسيفساء»، وهو مجموعة مقالات ثقافية وفنية وأدبية.

- عدد من الدراسات والبحوث المتخصصة في الفن التشكيلي والثقافة البصرية.

كما أصدر رواية «جوري»، ومن المنتظر صدور رواية «ملاك» قريبًا.

العمل الثقافي والتطوعي

لم يقتصر دوره على الإنتاج الفني والتأليف، بل امتد إلى العمل الثقافي والتطوعي، حيث أشرف على النشاط الثقافي في نادي النور بسنابس لأكثر من عشر سنوات، ونظم العديد من الدورات الفنية والملتقيات الثقافية التي أسهمت في صقل مواهب الشباب والفتيات.

كما أسس وشارك في العديد من الجماعات الفنية والمنتديات الثقافية التي أصبحت منصات داعمة للمبدعين في المنطقة.

ويُعرف الضامن كذلك بمبادراته المجتمعية والإنسانية التي ربطت الفن بخدمة المجتمع، إذ أطلق العديد من البرامج الثقافية والتطوعية والرحلات التراثية الهادفة إلى تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ الوطن وتراثه، وغرس قيم الانتماء والمحبة والسلام في نفوس الشباب والأطفال.

ألقابه ومبادراته المجتمعية

من أبرز الألقاب التي عُرف بها والمبادرات المرتبطة باسمه:

- «سفير المحبة والسلام».

- «سفير العمل التطوعي».

- مؤسس عدد من المبادرات الثقافية والفنية.

- الإشراف على مئات المعارض والفعاليات الفنية داخل المملكة وخارجها.

- تدريب أعداد كبيرة من الموهوبين والموهوبات في مجالات الفن التشكيلي والثقافة البصرية.

- مدير ملتقى إبداع الثقافي.

- صاحب مشروع «لوحة المحبة والسلام» للتواصل مع شعوب العالم.

- صاحب مبادرة «قطيفنا الجميلة».

- صاحب مبادرة مشروع «المحبة والسلام العالمية»، لأطول لوحة جماعية في العالم.

- مدير مهرجان القطيف السياحي.

- صاحب مشروع تجميل الواجهات البحرية في المنطقة الشرقية.

- عضو نقابة الفنون والثقافة الجزائرية.

- عضو مهرجان المحرس الدولي للفنون في تونس.

الجوائز والتكريمات

على مستوى الجوائز والإنجازات، حصل الفنان عبدالعظيم الضامن على عدد من الجوائز والتكريمات، منها:

- المركز الثاني في الأسبوع الثقافي لجامعات المملكة.

- المركز الثاني في مسابقة المخمل للفنون.

- جائزة أفضل ديكور للنشاط المسرحي خلال فترة دراسته الجامعية.

- تكريمات متعددة من جهات ثقافية وفنية داخل المملكة وخارجها.

- مرتبة الشرف والتميز والإبداع لعام 2014 م من منظمة السلام والصداقة الدولية في مملكة الدنمارك.

الفن رسالة للمحبة والسلام

لقد استطاع الفنان عبدالعظيم الضامن أن يحوّل الفن إلى رسالة إنسانية وثقافية، وأن يجعل من تجربته الفنية جسرًا يربط بين التراث والحداثة، وبين الإبداع وخدمة المجتمع.

ولا تزال أعماله ومؤلفاته ومبادراته شاهدةً على مسيرة حافلة بالعطاء، جعلت منه أحد الأسماء البارزة في الفن التشكيلي والثقافة في محافظة القطيف والمملكة العربية السعودية.

وتبقى جزيرة تاروت حاضرة في لوحاته كما هي حاضرة في وجدانه، فهي مصدر الإلهام الأول، ومنها انطلقت رحلة فنان حمل هوية المكان إلى آفاق واسعة من الإبداع والتميز، وترك سيرة طيبة حافلة بالإبداع والإنجاز.

أسأل الله أن يوفقه ويسدد خطاه إلى كل خير، يا رب العالمين.