آخر تحديث: 12 / 10 / 2026م - 2:00 ص

هل تكشف اهتماماتنا حدود ثقافتنا؟

المهندس أمير الصالح *


إذا تصفحت بتمعن ما يكتبه البعض، أو يسكت عن طرحه البعض الآخر، في أي مجتمع واقعي أو رقمي، فإنك تستطيع أن تستقرئ آفاق اهتمامات معظم الأعضاء الجالسين، ومستوى ثقافتهم، ومجالات اهتماماتهم، وموضوعات تفاعلاتهم، وحدود ما يُتوقع من ردود أفعالهم في كل جانب، إلى حد كبير.

الحوار

إذا جازت استعارة التعبير من العبارة الإنجليزية التالية: «A sedentary lifestyle spells bad news for hips and thighs»، ومفادها المجازي أن الرتابة المفرطة والكسل يحملان أخبارًا سيئة للحوض والساقين، فإن الرتابة والكسل والخمول في جسد أي إنسان ستؤدي حتمًا إلى ظهور أعراض سقم وعلل صحية، ومنها الآلام في عضلات الحوض والساقين والأفخاذ والركبتين، بسبب التخمة، أي السمنة، أو قلة الحركة، أو نقص مستويات بعض الفيتامينات في الجسم، مثل فيتامين د. والكلام نفسه ينطبق على الفكر والثقافة ومشهد الوعي في أي مجتمع، إذا فضّل حصر أفقه في مجال أو مجالين لا أكثر.

ماذا تقرأ، وعن ماذا تكتب؟

قل لي عمّا تقرأ وعمّا تكتب، أقلْ لك ما اهتماماتك ومدى اتساع ثقافتك! هل هذه المقولة صحيحة، أم أن بها مغالطة؟

في العالم الرقمي، حيث تُعالَج البيانات الضخمة عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تُستنبط اهتمامات كل فرد وكل مجتمع، سواء في أرض الواقع أو في العالم الرقمي، من خلال قنوات عدة، ومنها المجموعات الرقمية والصحف الرقمية والديوانيات والصحف الورقية والإعلام الفضائي المرئي. فهناك مجتمعات ومجموعات تهتم بالعلوم والتقنيات والبحوث الأكاديمية والتطور التقني، وهناك مجتمعات تهتم بنشر الفضيلة والأخلاق والتعامل النزيه والشفافية.

وهناك مجموعات تهتم بنشر الوعي في مجالاته الصحية والفكرية والعلمية والمهنية. وعلى العكس من ذلك، هناك مجموعات تهتم وتحتفل بتبادل الشتائم والنعوت المسيئة، وقذف المحصنات والطعن في أعراضهن، دون أي رادع أخلاقي أو قانوني أو وازع ديني. فأصبح الإنسان المتزن يشاهد كمًّا هائلًا من الهرج والمرج عبر شاشة الهاتف النقال، مما يحدث وما حدث بين مواطني دول عدة وداخل بعض المجتمعات. ومن تلك القصص ما هو مؤلم ومفجع، وقليل منها ما يبعث على السرور ويعيد ثقة الإنسان بأخيه الإنسان.

يكتب بعضهم ويقرأ حصرًا عن التراشق بين بعض المنتسبين إلى الدين، وآراء الفقه المتشددة، وأحداث بطولات كرة القدم؛ ويكتب بعضهم ويقرأ في علم الكلام، وآراء أفلاطون، وأفكار كتاب «صراع الحضارات» وكتاب «نهاية الحضارة» وكتاب «الأب الغني والأب الفقير»، ومدارس الاقتصاد بشقّيه الجزئي «Micro» والكلي «Macro».

والحقيقة أن المجتمع يحتاج إلى القراءة والكتابة في مجالات كثيرة، لا تقتصر على الدين والعلمانية والرأسمالية وأخبار بطولات كرة القدم، بل تمتد أيضًا إلى موضوعات شتى، ومنها: فنون التعامل وكسب القلوب، وإدارة الأعمال وصنوف التجارة وحقيقة الاستثمار، وأساليب التربية ومدارس الفكر وأدبيات الوعي، والتمييز بين الغث والسمين، وتجاوز فخاخ المغالطات المنطقية، وتثقيف الذات عن علم النفس وأنماط الشخصيات وفقًا لعلم النفس، وآداب الإتيكيت في الطعام والشراب والحديث، والاطلاع على ثقافة الشعوب واختلاف اللغات، وفن كسب الأصدقاء، وفهم الجرائم والعقوبات، وتحديات التعليم المعاصر ومخرجاته وآفاق سوق العمل المحلي بعد العولمة الاستثمارية، وفنون تقوية الروابط العائلية وكسب الثقة داخل المجتمع وخارجه، والتغلب على التردد والقهر النفسي، وصناعة الشجاعة، وترسيخ ثقافة الصحة العامة والتغذية السليمة، والاطلاع على خصائص المطابخ العالمية المتميزة، وقراءة تجارب أبناء المجتمع في السفر والمعاملات التجارية والرقمنة والأمن السيبراني، وإدارة المواقف الاجتماعية، والتخطيط العمراني الناجح، وفنون إدارة المناسبات، والاستخدام الأمثل للمرافق العامة، وأثر الروابط الناجحة في تكوين الشخصية، والمواطنة بين الحقوق والواجبات، وإجادة فنون القراءة، وأطروحات المجتمع الناجح، وآفاق علوم الفضاء، وسبل توطين التقنية، والسفر السياحي والسياحة الطبية، والإحسان ومواطن التحفيز الاجتماعي، وإدارة الضغوط، وفنون الإدارة المالية، وإعداد النفس لاقتناص الفرص... إلخ.

ختامًا

قصص التاريخ الملهمة والكتابات الناهضة، لا تُحكى للأطفال لكي يناموا، بل تُحكى للرجال لكي ينهضوا ويستعدوا ويبادروا ويصنعوا مستقبلًا أفضل لأنفسهم ولمن يأتي بعدهم. ومن الذكاء والفطنة اقتناص الفرص بحسن توظيف التقنية، والمدارسة مع أهل الفكر، والاستفادة من تجارب أهل الخبرة، بدلًا من اجترار سرديات ضياع الفرص وندب الحظ مرارًا وتكرارًا.