الادخار والاستثمار «2»
الادخار ليس أمراً يتعلق بالأطفال والحصّالات فقط، كما توحي الصورة الذهنية الشائعة. فالادخار، في الحسابات القومية، هو الجزء من الدخل المتاح الذي لا يُنفق على الاستهلاك النهائي خلال الفترة الحالية، ويُتاح للاستخدام في وقت لاحق.
ويجب هنا التمييز بين الادخار بوصفه تدفقاً سنوياً وبين الثروة المالية بوصفها رصيداً متراكماً من الأصول. فقد بلغت الثروة المالية العالمية نحو 333 تريليون دولار في نهاية العام 2025 وفق تقدير مجموعة بوسطن الاستشارية. لكن هذا الرقم لا يمثل ما ادّخره العالم في سنة واحدة، ولا يمثل بالضرورة مالاً سائلاً جاهزاً للإنفاق أو لإعادة التوجيه.
أما الادخار الإجمالي العالمي، وهو المقياس المناسب لجزء الدخل غير المنفق في سنة محددة، فقد بلغ نحو 26 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في العام 2024؛ أي ما يقارب 29 تريليون دولار. ولا يصح وصف هذا الرقم بأنه يشمل «مدخرات أجنبية» على مستوى العالم كله؛ فالأموال الأجنبية مفهوم يخص اقتصاد بلد بعينه عندما يمول استثماره من الخارج، أما على مستوى العالم فإن صافي العلاقات الخارجية يتقابل.
يدخر الأفراد والأسر للتحوط للطواريء، أو لشراء مسكن، أو للتعليم، أو للتقاعد. وقد تدخر الشركات لتمويل التوسع أو لمواجهة التقلبات. والادخار مهم لأنه يتيح موارد للتمويل، لكنه لا يضمن بذاته نمواً اقتصادياً؛ إذ تتوقف النتيجة على قدرة الاقتصاد على توجيه التمويل إلى مشروعات مجدية ومنتجة.
أما الاستثمار فله معنيان ينبغي عدم الخلط بينهما. في الحسابات القومية، يتعلق الاستثمار بتكوين رأس المال: إنشاء الأصول المنتجة أو اقتناؤها، مثل المباني والطرق والآلات والمعدات، إلى جانب التغير في المخزونات واقتناء المقتنيات الثمينة.
وفي الاستخدام المالي الدارج، قد يقال إن الشخص استثمر عندما اشترى سهماً أو سنداً أو عقاراً أو ذهباً أو عملاً فنياً أو أصلاً رقمياً. وقد تحقق هذه الأصول دخلاً أو مكسباً رأسمالياً، لكنها لا تتساوى في أثرها الاقتصادي. فشراء أسهم جديدة عند إصدارها، أو سندات جديدة لتمويل مشروع محدد، يمكن أن يوفّر أموالاً للجهة المصدرة. أما شراء سهم أو سند من مستثمر آخر في السوق الثانوية فينقل الملكية بين طرفين، ولا يموّل إنفاقاً رأسمالياً جديداً بصورة مباشرة. كما أن الاحتفاظ بالذهب أو المقتنيات أو الأصول الرقمية بغرض المضاربة لا يضيف، في حد ذاته، طاقة إنتاجية جديدة إلى الاقتصاد.
ترتبط المدخرات بالاستثمار عبر النظام المالي وأسواق رأس المال والتمويل المباشر. فالشركات قد تمول التوسع من الأرباح المبقاة أو الاقتراض أو إصدار الأسهم والسندات. وقد تصدر الحكومات أدوات دين لتمويل التزاماتها أو استثماراتها، لكن الاقتراض العام لا يعني بالضرورة تمويل استثمار منتج؛ فالغرض الفعلي للإنفاق هو الذي يحدد أثره الاقتصادي.
ومن غير الدقيق القول إن البنوك تقرض ودائع الناس للمشروعات واحداً لواحد. فالبنوك التجارية لا تعمل ببساطة كوسيط يمرر ودائع المدخرين إلى المقترضين؛ إذ تُنشأ معظم النقود المصرفية عند منح القروض. ولهذا، لا يكفي توافر الودائع وحده لتوقع توسع الاستثمار؛ بل يلزم وجود مشروعات قابلة للتمويل، ومقترضين ذوي جدارة ائتمانية، وبيئة مالية وتنظيمية مستقرة.
وفي الاقتصاد الكلي، العلاقة بين الادخار والاستثمار ليست قاعدة سببية آلية مفادها أن كل ما يُدخر يُستثمر محلياً، ففي اقتصاد مفتوح، يساوي رصيد الحساب الجاري الفرق بين الادخار القومي والاستثمار المحلي. فإذا فاق الاستثمار المحلي الادخار القومي، ظهر عجز في الحساب الجاري يُموَّل من الخارج؛ وإذا فاق الادخار الاستثمار، ظهر فائض يقابل صافي إقراض أو استثمار في الخارج. لذلك، فالمساواة بين الادخار والاستثمار على مستوى العالم متطابقة محاسبية في المجمل، بينما قد يختلفان داخل اقتصاد بعينه بسبب التجارة والتمويل عبر الحدود.
كما أن فائض الموازنة العامة يرفع مرونة الدولة المالية، لكنه ليس استثماراً تلقائياً. فقد يذهب إلى خفض الدين أو تكوين أصول مالية أو تمويل أولويات إنفاقية مختلفة. ويتحقق الأثر التنموي عندما تُخصص الموارد فعلاً لمشروعات ذات جدوى، مع حوكمة جيدة وقدرة على التنفيذ وقياس العائد.
الخلاصة أن الادخار مهم، لكنه ليس غاية مستقلة. الاقتصاد يحتاج إلى ادخار كافٍ، وإلى نظام مالي يوجه التمويل، وإلى استثمارات حقيقية ذات إنتاجية. وعندما تجتمع هذه العناصر، يتحول التمويل إلى مشروعات توسّع الطاقة الإنتاجية، وتخلق فرص العمل، وتحسن القدرة التنافسية، وتدعم النمو على نحو مستدام.
يتبع..












