لم تكن تحتاج دواءً فقط

قالت لها زميلتها وهي تشير إلى آخر الممر:
— لقد جاءت المريضة التي حدثتك عنها الأسبوع الماضي… انظري إليها، إنها هناك، تمشي متكئةً على عربة تسوّق.
التفتت الممرضة بدرية…
وفي آخر الممر، رأت امرأةً مسنّة تمشي ببطء شديد، تدفع أمامها عربةً قديمة من عربات التسوق، وتتكئ عليها بكلتا يديها، كأنها ليست عربة، بل عصاها الوحيدة في هذه الحياة.
خطوة…
ثم وقفة تلتقط فيها أنفاسها.
ثم خطوة أخرى.
كان التعب ظاهرًا في انحناءة ظهرها، وفي وجهها الشاحب، وفي ذلك النفس القصير الذي يخرج منها بصعوبة.
ظلت بدرية تنظر إليها لحظات، ثم قالت بصوت خافت:
— مسكينة… كيف تأتي إلى المستشفى بهذه العربة؟ لا بد أن وراءها حكاية.
نهضت من مكانها واتجهت إليها.
اقتربت منها بهدوء وقالت:
— السلام عليكم يا خالة… كيف حالك؟
توقفت المرأة، ورفعت رأسها ببطء، وأدارت وجهها نحو الصوت.
قالت وهي تلهث:
— وعليكم السلام… أهلًا يا ابنتي.
ابتسمت بدرية وقالت:
— كيف يمكنني أن أخدمك؟
«تخدميني… أنا؟»
سكتت المرأة.
وبقيت عيناها معلقتين بوجه بدرية.
كأنها لم تفهم السؤال…
أو لعلها فهمته أكثر مما ينبغي.
«أخدمك…»
ترددت الكلمة في قلبها قبل أن تصل إلى أذنها.
منذ متى لم يقل لها أحد هذه الكلمة؟
منذ متى لم يسألها أحد: ماذا تحتاجين؟
منذ متى وهي تمضي في طرقاتها متعبة، تحمل ضعفها وحدها، من غير أن يقترب منها أحد ويقول:
أنا هنا… ماذا تريدين؟
قالت بتردد:
— تخدميني… أنا؟
قالت بدرية بلطف:
— نعم يا خالة. أنا ممرضة أعمل هنا، وإذا احتجتِ شيئًا فأنا أساعدك. ما اسمك؟
قالت:
— فاطمة… اسمي فاطمة يا ابنتي.
— وأنا بدرية.
ثم اقتربت منها قليلًا وقالت:
— قولي لي يا خالة فاطمة… ماذا تحتاجين؟
تنهدت فاطمة، وكأنها تفتح بابًا ظل مغلقًا طويلًا.
قالت:
— يا ابنتي… أنا متعبة، وإذا كان ممكنًا تساعديني أدخل العيادة بدري. ما أقدر أنتظر طويلًا… نفسي يتعب، ورجولي ما تحملني.
قالت بدرية:
— أبشري… هذه بسيطة.
«ما عندي غيرها»
نظرت بدرية إلى عربة التسوق.
كانت قديمة، وعلى مقبضها آثار استخدام طويل.
قالت:
— لكن اتركي هذه العربة هنا، وسأحضر لك كرسيًا مناسبًا.
فجأة قبضت فاطمة على مقبض العربة بقوة، وكأن أحدًا طلب منها أن تتخلى عن شيء عزيز.
قالت بقلق:
— لا يا ابنتي… أخاف يأخذها أحد، أو يرميها في الشارع. ما عندي غيرها.
توقفت بدرية عند عبارتها:
«ما عندي غيرها.»
لم تكن تتحدث عن عربة تسوق فحسب.
كانت تتحدث عن قدميها…
عن سندها…
عن وسيلتها للخروج من البيت والعودة إليه.
قالت بدرية:
— لا تخافي عليها. سأوصي حارس الأمن بها بنفسي، ولن يلمسها أحد.
جلست فاطمة على الكرسي.
ولأول مرة منذ دخولها المستشفى، تركت العربة من يدها.
ربما لأنها شعرت أن هناك يدًا أخرى حملت عنها شيئًا من تعبها.
أوصلتها بدرية إلى العيادة، وتحدثت إلى الممرضة:
— هذه الخالة متعبة جدًا، ولا تستطيع الانتظار طويلًا. أرجو أن ندخلها إذا أمكن.
وبعد دقائق دخلت فاطمة.
بعد نحو ربع ساعة خرجت من العيادة، فوجدت بدرية تنتظرها.
ابتسمت فاطمة وقالت:
— جزاك الله خيرًا يا ابنتي.
ثم سكتت قليلًا وقالت بحرج:
— ممكن طلب ثاني؟
— تفضلي يا خالة.
— تأخذيني للصيدلية؟ عندي علاج لازم أصرفه.
قالت بدرية:
— أنتِ لن تذهبي إلى أي مكان. اجلسي هنا وأنا أحضره لك.
نظرت إليها فاطمة بدهشة.
ذهبت بدرية إلى الصيدلية، ثم عادت تحمل أدويتها.
ناولتها إياها وقالت:
— تفضلي.
أمسكت فاطمة الكيس بكلتا يديها، ثم رفعت رأسها.
كانت عيناها ممتلئتين بالدمع.
قالت:
— والله يا ابنتي… ما قصرتِ معي.
وأرادت أن تقول شيئًا آخر، لكنها لم تستطع.
فبعض الناس لا يبكون لأنهم حصلوا على مساعدة…
بل لأنهم فوجئوا بأن أحدًا انتبه أصلًا إلى تعبهم.
كانت فاطمة في تلك اللحظة لا ترى أمامها ممرضة فحسب؛ كانت ترى قلبًا اقترب منها دون مصلحة، وسأل عنها دون أن تطلب، ومشى معها دون أن يكون مجبرًا.
ابتلعت دمعتها وقالت:
— الأسبوع القادم عندي عيادة عيون. إن شاء الله يعملون لي العملية… تعبت من الانتظار. نفسي أشوف زين… نفسي أقدر أقرأ القرآن كما كنت سابقًا.
توقفت بدرية عند عبارتها:
«أقرأ القرآن.»
كم من النعم البسيطة نملكها، ولا نشعر بقيمتها إلا حين نفقدها؟
غادرت فاطمة المستشفى.
عادت إلى عربتها.
أمسكت بمقبضها، ودفعتها أمامها ببطء.
وقفت بدرية تراقبها.
كانت العربة تصدر صوتًا خفيفًا مع كل خطوة، وكأنها تروي حكاية امرأةٍ تعود إلى بيتها وحدها.
رجعت بدرية إلى مكتبها…
لكن قلبها لم يرجع معها.
بقي هناك، في الممر، مع فاطمة.
جلست أمام الحاسب وفتحت ملفها الطبي.
مواعيد كثيرة.
زيارات متكررة.
انتظار طويل.
وفي الأسبوع القادم موعد مع طبيب العيون.
راودتها الأسئلة:
أين أبناؤها؟
من يأخذ بيدها؟
من ينتظر عودتها إلى البيت؟
من يقول لها: تعالي يا أمي… أنا معك؟
ومن الذي اضطرها إلى أن تجعل عربة تسوق مشايةً لها؟
رفعت سماعة الهاتف واتصلت بقسم العيون، وطلبت الطبيب المعالج.
قالت له:
— دكتور، عندي مريضة كبيرة في السن اسمها فاطمة… وضعها الصحي والاجتماعي صعب. تنتظر عملية العين منذ مدة طويلة، وأرجوك إن كان بالإمكان التعجيل بها.
أعطته رقم الملف.
تصفح الطبيب بياناتها، ثم قال:
— خليها تجي الأسبوع القادم، وسأرى ماذا أستطيع أن أفعل.
أغلقت بدرية الهاتف.
ومنذ ذلك اليوم، صارت تعد الأيام.
ليس لأن لديها موعدًا…
بل لأن فاطمة لديها موعد.
«اشتقت إليك»
وفي صباح الأسبوع التالي، كانت عينا بدرية تتجهان بين حين وآخر نحو باب المستشفى.
وعند الثامنة…
ظهرت العربة أولًا.
ثم ظهرت خلفها فاطمة.
بنفس الخطوات.
بنفس الانحناءة.
بنفس التعب.
نهضت بدرية مسرعة نحوها، وحين اقتربت قالت بفرح:
— يا خالة فاطمة! كيف حالك؟ اشتقت إليك.
توقفت فاطمة.
رفعت رأسها ببطء ونظرت في وجه بدرية.
سكتت لحظة.
ثم قالت بصوت مكسور:
— اشتقتِ إليّ؟
ابتسمت بدرية وقالت:
— نعم… اشتقت إليك.
ارتجفت شفتا فاطمة.
لم تكن كلمة عابرة بالنسبة إليها.
ربما مرت أيام طويلة لم يسأل عنها فيها أحد…
وربما مرت سنوات لم يقل لها فيها إنسان:
«اشتقت إليك.»
أدارت وجهها قليلًا، وكأنها تخفي دمعة.
ثم قالت:
— الله يسعد قلبك يا ابنتي.
قالت بدرية:
— اليوم موعدك مع طبيب العيون.
قالت فاطمة:
— إن شاء الله يعمل لي العملية… أنا تعبت يا بنتي. نفسي أشوف وأقرأ القرآن مثل أول.
دخلت فاطمة العيادة.
فحصها الطبيب طويلًا، ثم رفع رأسه وقال:
— يا خالة فاطمة… هل أنت جاهزة للتنويم؟ سنجري لك العملية غدًا.
حدقت فاطمة فيه، وظلت صامتة للحظات.
ثم قالت:
— ماذا قلت يا دكتور؟
— العملية غدًا، إذا كنتِ جاهزة.
وضعت يدها على صدرها.
— غدًا؟!
وانحدرت دمعتها.
قالت بصوت مرتجف:
— يا دكتور… أنا أنتظرها من سنة. أنا جاهزة من اليوم… من الآن.
ثم التفتت نحو الباب.
لم تقل اسم بدرية…
لكن عينيها كانتا تبحثان عنها.
وحين رأتها، قالت والدمع على خدها:
— جزاك الله خيرًا يا ابنتي…
خفضت بدرية رأسها.
فبعض الشكر ثقيل على القلب من شدة صدقه.
أُجريت العملية…
ومرت بسلام.
وبعد يومين جاء موعد خروج فاطمة من المستشفى.
ارتدت عباءتها، وحملت أدويتها، ثم سألت الممرضة:
— يا ابنتي… عربة التسوق حقتي وين؟ تركتها عندكم. أحتاجها عشان أرجع البيت.
ابتسمت الممرضة.
وفي تلك اللحظة ظهرت بدرية من آخر الممر.
لكن هذه المرة…
لم تكن تدفع عربة تسوق.
كانت تدفع مشاية جديدة، مناسبة لكبار السن.
وقفت أمام فاطمة وقالت:
— يا خالة فاطمة… من اليوم ما عاد فيه عربة تسوق.
ثم قربت المشاية منها وقالت:
— هذه عربتك الحقيقية.
نظرت فاطمة إليها.
ثم إلى المشاية.
مدت يدها ببطء ولمست المقبض.
ثم سحبت يدها…
وعادت تلمسه.
كأنها تخشى أن يكون الأمر حلمًا.
وفجأة بدأت الدموع تنزل.
لم تكن دمعة واحدة.
كانت دموعًا كثيرة…
دموع امرأة تعبت طويلًا وهي تحاول أن تبدو قوية.
أرادت أن تتكلم.
فتحت فمها…
لكن الكلمات لم تخرج.
كل ما خرج كان بكاءً صامتًا.
قالت بدرية:
— لماذا تبكين يا خالة؟
رفعت فاطمة وجهها وقالت بصوت مرتجف:
— من زمان… من زمان ما أحد اهتم بي كذا.
وسكت المكان.
حتى بدرية لم تجد ما تقوله.
اقتربت منها، وربتت على كتفها وقالت:
— أنتِ تستحقين كل خير.
عادت فاطمة تنظر إلى المشاية.
لم تكن تراها قطعةً من الحديد.
كانت تراها رسالة.
كان هناك من رأى ضعفها ولم يزدها شعورًا بالعجز…
رأى حاجتها، فحفظ كرامتها.
قالت بدرية:
— والآن تعالي معي. سأوصلك بسيارتي إلى البيت.
قالت فاطمة:
— لا يا ابنتي… أتعبتك معي.
قالت بدرية:
— ما أتعبتِني.
ركبت فاطمة السيارة وجلست إلى جوار بدرية.
كانت المشاية في الخلف، وأدويتها في حجرها، وعيناها اللتان أُجريت لهما العملية تنظران من نافذة السيارة إلى الطريق.
وبعد دقائق من الصمت قالت فاطمة:
— يا ابنتي بدرية…
— نعم يا خالة؟
قالت وهي تمسح دمعة هربت على خدها:
— كنت أحسب أن الناس ما عاد عندهم وقت لأحد.
ثم تنهدت وقالت:
— لكن الحمد لله… ما زال في الدنيا قلوب ترحم.
رفعت يديها وقالت:
— الحمد لله الذي يسخّر لعباده من يرحمهم… الله يسخرك للناس مثل ما سخرك لي.
لم تستطع بدرية أن تجيب.
امتلأت عيناها بالدموع هي الأخرى، وظلت تقود السيارة بصمت.
وعند باب المنزل، نزلت فاطمة.
أمسكت مشايتها الجديدة، وخطت بها خطوات قليلة.
ثم التفتت إلى بدرية.
لم تقل شيئًا…
فقط رفعت يدها بالدعاء.
وبقيت بدرية تنظر إليها حتى دخلت بيتها.
لم تكن تحتاج دواءً فقط
وفي طريق عودتها، فهمت بدرية شيئًا لن تنساه:
أن الإنسان قد يحتمل المرض…
وقد يحتمل ضعف الجسد…
وقد يصبر على الانتظار…
لكن أصعب ما قد يمر به أن يشعر أنه أصبح غير مرئي.
لا أحد يسأل عنه.
ولا أحد يشتاق إليه.
ولا أحد ينتبه إلى أن عربة التسوق التي يدفعها ليست مجرد عربة…
بل حكاية احتياجٍ كاملة.
فالرحمة ليست دائمًا دواءً يُصرف، ولا عمليةً تُجرى، ولا مالًا يُعطى.
قد تكون الرحمة أن ترى إنسانًا لا يلتفت إليه أحد، فتقول له:
«كيف يمكنني أن أخدمك؟»
وقد تكون أعظم منها أن تقول لقلبٍ أرهقته الوحدة:
«اشتقت إليك.»
فربما تنسى فاطمة اسم الدواء الذي صرفته بدرية لها…
وربما يمر الزمن فتنسى تفاصيل ذلك الممر…
لكنها لن تنسى أبدًا أن امرأةً التقتها في مستشفى ذات صباح أعادت إليها شيئًا ظنت أنها فقدته منذ زمن:
الشعور بأنها ما زالت مهمةً لأحد.












