آخر تحديث: 11 / 10 / 2026م - 12:53 ص

حين يكتشف الشعر الهواء

نزار المصطفى


قصيدة «قامة لاكتشاف الهواء» ليست قصيدة تُقرأ من خارجها؛ لأنها منذ سطرها الأول تغلق الباب على القراءة السهلة، وتطلب من قارئها أن يدخل إلى عالمها كما يدخل المرء إلى مكان لا يعرف خرائطه، ولكنه يشعر منذ اللحظة الأولى أن وراء الجدران شيئاً يتنفس. ولعل هذا هو سر بقائها في الذاكرة بعد أكثر من ربع قرن؛ فبعض القصائد تنتهي حين ينتهي إلقاؤها، وبعضها يبدأ بعد أن يسكت الشاعر. وهذه واحدة من تلك القصائد التي لم تنتهِ في تلك الأمسية، وإنما ظلت تمشي في ذاكرة من سمعها، وتستعيد حضورها كلما عاد اسم محمد العلي إلى الكلام.

وإذا كانت المناسبة يومها احتفاءً بمحمد العلي، فإن الشيخ علي الفرج لم يكتب له قصيدة مديح بالمعنى المألوف، ولم يضعه في إطار من الصفات الجاهزة، وإنما حاول أن يقترب منه من جهة أكثر خطورة وأعمق دلالة: من جهة علاقته باللغة، بالهواء، بالمكان، بالجهات، وبذلك القلق الذي يجعل الشاعر شاعراً حتى حين لا يكتب. ولذلك جاءت القصيدة وكأنها لا تصف محمد العلي بقدر ما تحاول اكتشافه.

«وحدك.. فاجأك الصيف
فاستسلم النبع»

منذ هذه البداية نشعر أننا لسنا أمام صيفٍ وفصلٍ ونبع، وإنما أمام لحظة انكشاف. الصيف هنا ليس طقساً، والنبع ليس ماءً. هناك شيء يحدث للذات حين يفاجئها العالم قبل أن تكون مستعدة له. ومحمد العلي في هذه القصيدة ليس شخصاً يقف في مواجهة الطبيعة، بل كأنه نقطة التقاء بينها وبين نفسه؛ يستقبلها وتستقبله، وتحدث بينهما تلك العلاقة الغامضة التي لا تحتاج إلى تفسير.

ثم يقول:

«وحدك.. تُلقي عليك الجهات أنوثتها»

ما أجرأ هذه الصورة، وما أبعدها عن لغة المديح التقليدية. الجهات تصبح أنثى، والإنسان يصبح موضع إغراء العالم كله. كأن المكان، بكل ما فيه من أسرار، يتجه نحو هذا الشاعر ويكشف له وجهه المستتر. وليس المقصود بالأنوثة هنا معناها المباشر، وإنما ذلك الجانب الحميم والخصب والمخبوء من الأشياء؛ فالجهات لا تمنح أسرارها لكل عابر، وإنما لمن يستطيع أن يقيم معها علاقة اكتشاف.

ولهذا تأتي الصورة الأشد كثافة:

«وتنقب بين طوابير هذي البحار
لتكتشف الماء في الماء»

هنا تبلغ القصيدة واحدة من قممها. ما معنى أن تكتشف الماء في الماء؟ إن الماء هو الماء، ظاهراً، لكن الشاعر الحقيقي لا يكتفي بما يظهر. إنه يبحث عن المختلف داخل المتشابه، وعن السر داخل الشيء الذي يبدو مكتملاً في ذاته. وربما كانت هذه العبارة مفتاحاً من مفاتيح القصيدة كلها، بل مفتاحاً لفهم علاقتها بمحمد العلي: فالعلي، في تجربة الشيخ علي الفرج، ليس شاعراً يرى الأشياء كما يراها الناس، وإنما شاعر ينقّب داخل المألوف حتى يستخرج منه ما لم يكن مرئياً.

ثم تأتي:

«وحدك.. أعطيت جلدك للنخل
واستغفرت رئتاك»

وهنا تتحول العلاقة من علاقة نظر إلى علاقة جسد. لم يعد الشاعر واقفاً أمام النخل، بل أعطاه جلده. كأنه يريد أن يخلع المسافة بين الإنسان والطبيعة، وأن يستبدل النظر بالمعايشة. أما «استغفرت رئتاك» فهي صورة لا تتعامل مع التنفس بوصفه فعلاً بيولوجياً، وإنما بوصفه اعترافاً. الرئتان تستغفران لأنهما اكتشفتا أن الهواء ليس مجرد هواء، وأن التنفس نفسه قد يكون تجربة وجودية.

ومن هنا يصبح عنوان القصيدة أكثر وضوحاً:

«قامة لاكتشاف الهواء»

لم يقل: شاعر يتنفس الهواء، ولا رجل يعيش في الهواء، وإنما «قامة لاكتشاف الهواء». وهذه نقلة كاملة من الوظيفة إلى الوجود. فالهواء موجود حولنا، لكن اكتشافه يحتاج إلى قامة. يحتاج إلى حساسية تجعل الإنسان يرى ما لا يُرى، ويشعر بما لا يُمسك، ويعرف قيمة الشيء حين يبدو أنه لا شيء.

ولذلك يذهب الشاعر إلى:

«وصرت تفهرس أسطر وجهك
في مهرجان التنفس»

يا لها من صورة تجمع بين الكتاب والجسد. الوجه يصبح كتاباً، والتنفس يصبح مهرجاناً، والشاعر يفهرس نفسه كما لو أنه يحاول أن يقرأ تاريخ وجوده في ملامحه. وهذا في ظني من أجمل ما في القصيدة؛ أنها لا تقدم محمد العلي بوصفه شاعراً فقط، وإنما بوصفه نصاً مفتوحاً على ذاته، يقرأ نفسه وهو يعيشها.

ثم فجأة ينهار اليقين:

«أي شيء تناثر حين تبخر شكل الجدار؟!»

الجدار هو الحد، والفاصل، والحاجز، والشكل الذي يمنح الأشياء تعريفها. فإذا تبخر الجدار، ماذا يبقى؟ هنا تدخل القصيدة في سؤالها الفلسفي العميق: ماذا يحدث للإنسان حين تسقط الحدود التي اعتاد أن يعرف نفسه من خلالها؟

ولهذا تتوالى الأسئلة الغريبة:

«منجم في شتاء النحاس؟!
عبث في عقول الكلام؟!
إسفنجة في رطوبة ضوء؟!»

هذه ليست أسئلة تبحث عن أجوبة مباشرة، وإنما هي أسئلة تُحدث خلخلة في طريقة التفكير نفسها. الشيخ علي الفرج لا يريد من القارئ أن يفهم الصورة بطريقة تقريرية؛ يريد منه أن يشعر بها. أن يقف في المنطقة التي تتجاور فيها الأشياء المتناقضة، حيث يصبح النحاس شتاءً، والكلام له عقول، والضوء له رطوبة، والإسفنجة تدخل في علاقة مع شيء لا يُمسك.

وهنا تكمن حقيقة هذه القصيدة: إنها لا تبني معناها بالطريقة التي تبنى بها القصيدة التقليدية، وإنما تبنيه من اصطدام الصور بعضها ببعض. المعنى لا يأتي جاهزاً، بل يتولد من الاحتكاك. كل صورة تدفع الأخرى، وكل استعارة تفتح باباً لا يغلقه الشاعر، حتى يجد القارئ نفسه أمام فضاء شعري لا يستطيع أن يختصره في معنى واحد.

ثم يقول:

«يا للتعكز في موسم الزحف!
بين انحناء الكنائس والطهو فوق الجليد
يا للتحدب في موسم للتقعر!»

هنا تبلغ اللغة درجة من التوتر تكاد تجعلها جسداً يتحرك. التعكز، الزحف، الانحناء، التحدب، التقعر؛ كلها حركات جسدية، لكنها في الحقيقة حركات داخل الوعي واللغة. كأن الشاعر يرى عصراً يمشي بأجساد منحنية، وأفكار تتكئ، ولغة تحاول أن تتقدم وسط عالم فقد استقامته.

وهذا يجعل حضور محمد العلي في القصيدة أكثر وضوحاً: إنه ليس الممدوح الذي يقف فوق منصة المديح، وإنما هو القامة التي تقاوم الانحناء. قامة لاكتشاف الهواء، لا قامة للوقوف فقط. وهذه نقطة أظن أن الشيخ علي الفرج كان يعرفها جيداً؛ فمحمد العلي في ذاكرة محبيه ليس مجرد شاعر كتب قصائد، وإنما تجربة كاملة في النظر إلى الأشياء، وفي مساءلة اللغة، وفي رفض أن تكون الحياة سطحاً مكتفياً بما يظهر عليه.

ثم تصل القصيدة إلى مقطعها الثاني:

«الحروف فلزات
ترتادها رخوة مثل زيت البكاء»

هنا تدخل القصيدة إلى معدنها الحقيقي: اللغة.

الحروف فلزات؛ أي أن لها وزناً وصلابةً ومعدناً، لكنها حين تدخل يد الشاعر تصبح رخوة. وهذه المفارقة بالذات هي جوهر الشعر: أن تأخذ المادة الصلبة وتجعلها قابلة للتشكل، وأن تأخذ الحرف الذي يبدو محدوداً وتمنحه قدرة على أن يحمل ما لا حدود له.

و«زيت البكاء» صورة أخرى لا تريد أن تُفهم بقدر ما تريد أن تُحس. فالدمعة ماء، لكن الشاعر لا يجعلها ماءً؛ يجعلها زيتاً، والزيت أكثر كثافة ولزوجة وقدرة على التغلغل. كأن البكاء هنا ليس انفعالاً عابراً، بل مادة ثقيلة تدخل في صناعة اللغة.

ثم يعود السؤال:

«لم ينضج الطقس
كيف خلطت شظاياك وسط جنون النبوءات»

وهنا أرى أن القصيدة تكشف عن علاقتها العميقة بالشاعر الذي تخاطبه. محمد العلي ليس في عالم مكتمل النضج؛ إنه يعيش في طقس لم ينضج بعد، في زمن مضطرب، وفي واقع لا يعطي أسراره بسهولة. ولذلك فإن مهمته ليست أن يصف هذا العالم، وإنما أن يخلط شظاياه، أن يعيد تركيب ما تكسّر، وأن يحاول أن يصنع من الفوضى معنى.

ثم:

«قبل أن ينبت الليل أفراسه
رحت تزرعه مطراً لامتصاص الضياء»

إنها صورة مذهلة؛ الليل لا يأتي فقط، وإنما «ينبت أفراسه»، وكأن الليل قوة مقبلة، والقصيدة لا تقاومه بالنور، بل تزرعه مطراً ليمتص الضياء. هنا تنقلب العلاقات المعتادة بين الأشياء: الليل يصبح شيئاً يزرع، والمطر يتحول إلى وسيلة لامتصاص الضوء. وهذا الانقلاب هو نفسه ما تفعله القصيدة باللغة: تأخذ الأشياء من أماكنها المألوفة وتضعها في علاقات جديدة، فتجبرنا على النظر إليها من جديد.

ثم تعود القصيدة إلى عنوانها، وكأنها بعد كل هذا الدوران وجدت مركزها:

«قامة لاكتشاف الهواء.»

وهنا أفهم القصيدة كلها من جديد.

ليست القامة طولاً، وليست اكتشافاً بمعناه العادي، وليس الهواء مجرد عنصر من عناصر الطبيعة. القامة هنا مقدار ما يستطيع الإنسان أن يرتفع عن المألوف، والاكتشاف هو مقدار ما يستطيع أن يرى في الشيء الذي ظن الناس أنهم رأوه من قبل، والهواء هو ذلك الحضور الذي لا يُرى، لكنه يمنح الأشياء حياتها.

ولهذا أظن أن الشيخ علي الفرج لم يكن يحتفي بمحمد العلي من الخارج، وإنما كان يحاول أن يقول شيئاً عن جوهر تجربته: هذا شاعر لا يكتفي بأن يعيش في العالم، بل يريد أن يكتشف ما يجعل العالم قابلاً لأن يُعاش. لا يكتفي بالكلمات، وإنما يحفر في الحروف حتى تستعيد قدرتها الأولى على الإدهاش. ولا يكتفي بأن يرى الماء، وإنما يريد أن يكتشف «الماء في الماء».

وأنا حين أعود إلى تلك الأمسية التي جمعتنا في مزرعتي بالعوامية قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وأستعيد في الذاكرة وجوه أولئك الذين كانوا حول محمد العلي يومها، عبدالله الجشي، وجاسم الصحيح، والسيد عدنان العوامي، ومحمد الشماسي، وأستعيد كيف استقبل الحضور هذه القصيدة بالإعجاب والاستحسان، أفهم الآن لماذا بقيت في الذاكرة كل هذه السنوات. لم يكن الإعجاب يومها مجاملة لشاعر ألقى قصيدة في شاعر كبير؛ كان إحساساً جماعياً بأن شيئاً مختلفاً حدث في اللغة أمامنا.

كانت القصيدة يومها تُلقى، لكنها كانت في الحقيقة تُكتشف.

ولعل أجمل ما فيها أنها لم تحاول أن تقول لنا من هو محمد العلي، وإنما جعلتنا نشعر به. وهذه هي المسافة بين قصيدة المديح وقصيدة المعرفة؛ الأولى تقول لك صفات الممدوح، أما الثانية فتضعك في حضرته، وتتركك تكتشفه بنفسك.

بعد ستة وعشرين عاماً تقريباً، لا تزال «قامة لاكتشاف الهواء» قادرة على أن تفتح أبوابها من جديد؛ لأن القصيدة الحقيقية لا تشيخ بالطريقة التي تشيخ بها الأشياء. كلما عدنا إليها وجدنا فيها طبقة لم نرها من قبل، وصورة كانت تنتظر قارئاً آخر، وسؤالاً لم يكن قد نضج بعد.

وربما لهذا تحديداً بقيت هذه القصيدة في ذاكرتي: لأنها لم تمدح محمد العلي فقط، بل حاولت أن تكتب قامته الشعرية، وأن تجعل من الهواء لغة، ومن اللغة ماءً، ومن الماء سراً، ومن السر قصيدة.

قصيدة قالها الشيخ علي الفرج في محمد العلي، لكنها في عمقها كانت تقول شيئاً عن الشعر نفسه: أن الشاعر الحقيقي ليس من يملأ الهواء بالكلمات، وإنما من يملك قامةً تكفي لاكتشاف الهواء.

قَامَةٌ لاكْتِشَافِ الْهَوَاء

إِلَى الشَّاعِرِ الْكَبِيرِ مُحَمَّدٍ الْعَلِي

قَبْلَ أَنْ يَنْضُجَ الطَّقْسُ
وَحْدَك َ.. فَاجَأَكَ الصَّيْفُ
فَاسْتَسْلَمَ النَّبْعُ
وَحْدَك َ.. تُلْقِي عَلَيْكَ الْجِهَاتُ أُنُوثَتَهَا
وَتَنْقُبُ بَيْنَ طَوَابِيرِ هَذِي الْبِحَارِ
لِتَكْتَشِفَ الْمَاءَ فِي الْمَاء
وَحْدَكَ.. أَعْطَيْتَ جِلْدَكَ لِلنَّخْلِ
وَاسْتَغْفَرَتْ رِئَتَاك
وَصِرْتَ تُفَهْرِسُ أَسْطُرَ وَجْهِكَ
فِي مَهْرَجَانِ التَّنَفُّس
أَيُّ شَيْءٍ تَنَاثَرَ حِينَ تَبَخَّرَ شَكْلُ الْجِدَار؟!
مَنْجَمٌ فِي شِتَاءِ النُّحَاسِ؟!
عَبَثٌ فِي عُقُولِ الْكَلَامِ؟!
إِسْفِنْجَةٌ فِي رُطُوبَةِ ضَوْء؟!
يَا لَلتَّعَكُّزِ فِي مَوْسِمِ الزَّحْف!
بَيْنَ انْحِنَاءِ الْكَنَائِسِ وَالطَّهْوِ فَوْقَ الْجَلِيدِ
يَا لَلتَّحَدُّبِ فِي مَوْسِمٍ لِلتَّقَعُّر!
* * *
الْحُرُوفُ فِلِزَّات
تَرْتَادُهَا رَخْوَةً مِثْلَ زَيْتِ الْبُكَاء
لَمْ يَنْضُجِ الطَّقْس
كَيْفَ خَلَطْتَ شَظَايَاكَ وَسْطَ جُنُونِ النُّبُوءَات
قَبْلَ أَنْ يُنبِتَ اللَّيلُ أَفْرَاسَهُ
رُحْتَ تَزْرَعُهُ مَطَرًا لِامْتِصَاصِ الضِّيَاء
قَامَةٌ لاكْتِشَافِ الْهَوَاء.

1421 هـ