آخر تحديث: 7 / 10 / 2026م - 11:50 م

الأخضر… بطلٌ بحجم وطن

فوزي آل غريب *


لم تكن ليلة السادس من أكتوبر في جدة مجرد ليلة نهائي، ولم يكن الكأس الذي ارتفع في سمائها مجرد قطعة من ذهب؛ كانت ليلة عاد فيها الأخضر إلى مكان يعرفه، وعادت معه ذاكرة وطن بأكمله إلى منصات المجد الخليجي.

اثنان وعشرون عامًا مرّت منذ آخر مرة عانق فيها المنتخب السعودي كأس الخليج. سنوات طويلة تبدلت فيها الأجيال والأسماء والمدربون، وبقي القميص الأخضر يحمل الحكاية ذاتها: منتخب لا يدخل الملعب ممثلًا لأحد عشر لاعبًا فقط، بل حاملًا آمال وطن كامل.

وفي جدة، جاءت اللحظة التي انتظرها السعوديون طويلًا.

دخل الأخضر نهائي «خليجي 27» أمام المنتخب الإماراتي وهو يعرف أن بينه وبين الكأس تسعين دقيقة، لكنه لم ينتظر طويلًا ليعلن نواياه. ففي الدقيقة الحادية عشرة، كتب همام الهمامي السطر الأول من ليلة التتويج، وبعد دقيقتين فقط أضاف فراس البريكان الهدف الثاني.

هدفان في دقيقتين، لكن خلفهما رحلة بطولة كاملة.

لم يصل المنتخب السعودي إلى النهائي بالمصادفة. بدأ مشواره بالفوز على الكويت بهدف دون مقابل، ثم تجاوز عُمان بثلاثية نظيفة، واختتم دور المجموعات بالفوز على العراق بهدفين دون رد، محققًا العلامة الكاملة بتسع نقاط. وفي نصف النهائي، صمد أمام قطر على امتداد 120 دقيقة قبل أن يحسم المواجهة بركلات الترجيح، ليصل إلى الموعد الأخير.

والأجمل أن الطريق إلى الكأس ظل نظيفًا كما بدأ؛ ثمانية أهداف سجلها الأخضر في خمس مباريات، ولم تستقبل شباكه هدفًا واحدًا طوال البطولة.

وهذه ليست مجرد إحصائية توضع في نهاية تقرير رياضي، بل صورة لفريق عرف كيف ينتصر حين وجب الانتصار، وكيف يصبر حين احتاجت المباراة إلى الصبر، وكيف يحافظ على توازنه عندما أصبحت المسافة بينه وبين الحلم ركلة جزاء واحدة.

وفي ليلة النهائي، لم يكن الأخضر وحده.

أكثر من اثنين وستين ألف متفرج احتشدوا في مدرجات ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية في جدة، حتى بدا الأخضر ممتدًا من عشب الملعب إلى آخر مقعد في المدرجات. كان الهتاف القادم من الجماهير أشبه بلاعب آخر لا يظهر في قائمة التشكيل؛ فالذين في الملعب يلعبون، والذين في المدرجات يحلمون، وخلف الشاشات وطن كامل ينتظر صافرة النهاية.

وحين جاءت الصافرة، لم تنتهِ مباراة فقط.

انتهى انتظار دام اثنين وعشرين عامًا.

وعادت كأس الخليج إلى السعودية للمرة الرابعة في تاريخ الأخضر.

ثم جاءت اللحظة التي تختصر من أجلها البطولات كل تعبها.

صعد لاعبو المنتخب السعودي إلى منصة التتويج، وتقلّدوا الذهب، وفي حضور رسمي تقدمه نائب أمير منطقة مكة المكرمة، وبوجود وزير الرياضة الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، ارتفعت كأس الخليج الرابعة في سماء جدة.

في تلك اللحظة لم يكن المشهد بحاجة إلى كثير من الكلام؛ لاعبون يرفعون الكأس، مدرجات تهتف، وأعلام خضراء تملأ المكان.

وطن كامل اختصر فرحته في كأس مرفوعة إلى السماء.

ولم تمنح البطولة الأخضر كأسها وحدها؛ فقد حملت معها اعترافًا فرديًا بنجوم صنعوا الإنجاز جماعيًا. تُوّج همام الهمامي بجائزة أفضل لاعب في البطولة، ونال فراس البريكان لقب الهداف بثلاثة أهداف، وحصد محمد العويس جائزة أفضل حارس مرمى.

ثلاث جوائز كبرى ذهبت إلى ثلاثة لاعبين سعوديين، لكن أجمل ما فيها أنها خرجت من داخل فريق لم يبنِ انتصاره على اسم واحد.

فالهمامي تألق وسجّل في النهائي، والبريكان سجل وحسم، والعويس وقف أمام مرماه حتى أنهى البطولة دون أن تهتز شباكه، فيما برز صالح أبو الشامات في ليلة النهائي ونال جائزة أفضل لاعب في المباراة.

أسماء مختلفة، ومهمة واحدة.

أن يصل الأخضر إلى الكأس.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا اللقب.

فالمنتخب الذي نريده للمستقبل ليس منتخب اللحظة العابرة، ولا منتخب النجم الواحد، وإنما منتخب المجموعة؛ منتخب يعرف أن الشعار الذي على صدره أكبر من كل الأسماء، وأن ارتداء قميص الوطن امتياز تسبقه مسؤولية.

وإذا كانت البطولات تُقاس بالكؤوس، فإن بعضها يُقاس أيضًا بما تتركه بعدها.

و«خليجي 27» ينبغي ألا تكون نهاية الطريق، بل بدايته.

أمام الأخضر استحقاقات أكبر، وطموحات السعوديين لا تتوقف عند بطولة خليجية مهما كانت غالية. وهذه الكأس يمكن أن تكون حجرًا أول في بناء منتخب أكثر ثقة وصلابة، يعرف كيف يتعامل مع المباريات الكبرى، ويعيد إلى قميصه تلك الهيبة التي صنعتها أجيال سعودية سابقة.

ولعل أجمل ما في ليلة جدة أن الوجوه التي رفعت الكأس لم تحتفل بالماضي وحده، بل فتحت نافذة على المستقبل.

جيل جديد يطرق الباب، وأسماء شابة تقول إن في الكرة السعودية الكثير مما لم يُكتب بعد.

أما محمد العويس، وهو يقف أمام مرماه دون أن تهتز شباكه طوال البطولة، فقد كان صورة للخبرة التي يحتاج إليها أي فريق يريد الوصول إلى الذهب. وأما فراس البريكان، فقد أنهى البطولة هدافًا. وبين الخبرة والشباب، تشكلت شخصية بطل.

وهكذا تُصنع المنتخبات.

لا بالأسماء وحدها، ولا بالشعارات، ولا بالحديث قبل المباريات؛ بل بالعمل والانضباط والقتال على كل كرة، ثم بقدرة اللاعبين على تحويل ملايين الأمنيات إلى لحظة واحدة من الفرح.

وفي تلك الليلة، عندما ارتفعت الكأس في سماء جدة، ربما اختلفت أماكن السعوديين، لكن المشهد الذي أمامهم كان واحدًا: علم أخضر، وكأس، ولاعبون يبتسمون، ووطن يفرح.

والرياضة في أجمل صورها تفعل ذلك؛ تختصر المسافات بين الناس، وتجعل الملايين يلتقون عند نبضة واحدة.

لهذا، لم يكن انتصار السادس من أكتوبر انتصار أحد عشر لاعبًا فقط.

كان انتصار كل طفل ارتدى قميص المنتخب وحلم يومًا أن يكون واحدًا منهم، وكل أب حكى لأبنائه عن بطولات الأخضر القديمة، وكل مشجع ظل ينتظر عودة الكأس عامًا بعد عام.

اثنان وعشرون عامًا من الانتظار انتهت في جدة.

لكن ما نتمناه ألا تكون هذه نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد منها.

إلى لاعبي الأخضر نقول: رفعتم الكأس، وأسعدتم وطنًا، لكن القميص الذي ترتدونه سيطالبكم غدًا بالمزيد.

وإلى جماهير السعودية التي ملأت المدرجات والبيوت حبًا وهتافًا، هذه الكأس لكم أيضًا.

أما الأخضر، فقد عاد من ليلة جدة بلقب رابع، وشباك لم تهتز، ونجوم جدد، ورسالة لا تحتاج إلى كثير من الكلمات:

حين يلعب المنتخب من أجل وطن… يصبح الانتصار أكبر من مباراة، ويصبح البطل بحجم وطن.

مبروك للسعودية… ومبروك للأخضر.