آخر تحديث: 7 / 10 / 2026م - 11:50 م

مساجد قلعة القطيف التاريخية

قراءة في ذاكرة المكان

إسماعيل هجلس *


الاهتمام بمساجد قلعة القطيف التاريخية لا ينبغي أن يتوقف عند ذكر وحصر أسمائها وتحديد مواقعها وإن كانت مهمة بدايةً، بل يمكن أن يتحول إلى مشروع أوسع لإعادة قراءة هذه المواقع وإمكانية تأهيل ما تبقى منها، بما يحفظ قيمتها التاريخية والعمرانية، ويعيد حضورها ضمن المشهد الثقافي للواحة، وهذا التوجه ينسجم مع ما تشهده المملكة العربية السعودية من اهتمام متزايد بالتراث العمراني والهوية المكانية، وبإعادة تأهيل المواقع التاريخية والمحافظة على عناصرها الأصيلة، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تنظر إلى التراث بوصفه جزءًا من الهوية الوطنية وموردًا ثقافيًا واقتصاديًا للأجيال القادمة.

ميثاق الملك سلمان العمراني

يلتقي هذا التوجه مع المبادئ التي يؤكد عليها ميثاق الملك سلمان العمراني، الذي يدعو إلى عمارة تراعي المكان والإنسان والهوية، وتستفيد من الموروث العمراني المحلي دون أن تعيش أسيرة للماضي، ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى مساجد القلعة باعتبارها جزءًا من منظومة عمرانية متكاملة، لا مباني منفردة؛ فهي مرتبطة بالمحلات والأزقة والبيوت والأسواق والساحات، وبالنسيج الاجتماعي الذي نشأت داخله.

خطوة أولَى

ومن المهم عند إعادة تأهيل هذه المساجد ألا يكون الهدف مجرد إعادة بناء الشكل، وإنما استعادة روح المكان وخصائصه العمرانية، مع المحافظة على ما يمكن إثباته من عناصره الأصلية، ودراسة مواده وطرائق بنائه وعلاقته بالمناخ والضوء والتهوية، والاستفادة من الوثائق الوقفية والروايات الشفوية والصور القديمة في إعادة قراءة تاريخه، وقد تكون هذه المساجد، إذا جرى توثيقها وتأهيلها ضمن رؤية متكاملة، تكون نواة لمسار سياحي وثقافي وتراثي واقتصادي، داخل قلعة القطيف، يعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ المدينة وأحيائها، ويمنح الزائر فرصة لقراءة العلاقة بين الهوية والعمران والمجتمع في المدينة التقليدية.

ليش اعادة البناء

إن إعادة تأهيل مسجد تاريخي لا تعني إعادة ترميم جدرانه، بل هي في جوهرها إعادة وصل الإنسان بذاكرته ومكانه، ولذلك فإن توثيق مساجد قلعة القطيف وغيرها من المساجد التاريخية في مختلف مناطق واحة القطيف اليوم! قد يكون خطوة أولى نحو مشروع مستقبلي يحفظ ما تبقى منها، ويعيد الاعتبار لما اندثر، ويضع هذه المساجد ضمن خريطة التراث العمراني والثقافي للمملكة.

قراءة أولية

هذه البحث والقراءة الأولية في حصر أسماء المساجد بقلعة القطيف، ليست مجرد قائمة بأسماء مساجد قديمة، وإنما دعوة إلى مواصلة البحث والتوثيق، وربط الذاكرة المحلية بالمشروع الوطني الأوسع للعناية بالتراث والهوية العمرانية؛ حتى لا تبقى هذه المساجد حاضرة في ذاكرة كبار السن فقط، بل تصبح جزءًا موثقًا ومرئيًا من تاريخ قلعة القطيف وذاكرة المملكة العمرانية.

شواهد معمارية

تُعد المساجد من أهم الشواهد التي تحفظ ذاكرة المدن القديمة، فهي لا تؤدي وظيفة محددة فحسب، بل ترتبط بتاريخ الأحياء، وتحولات العمران، وأسماء العلماء والأشخاص، وحركة السكان داخل المكان، وفي قلعة القطيف التاريخية، فإن المساجد، بالتأكيد، جزءٌ مهم وأصيل من نسيجها العمراني والاجتماعي، وقد ارتبط بعضها بأسماء المحلات والفرق، وبعضها بأسماء العلماء أو الأشخاص الذين أسهموا في بنائها أو ترميمها.

تدوين أولي

وفي محاولة متواضعة وأولية لحصر مساجد قلعة القطيف التاريخية والتعريف بمواقعها وأسمائها، أستند هنا إلى عدد من المعلومات والروايات المتداولة، ومن بينها وأهمها قراءة الشيخ العزيز الفاضل زكي الخنيزي، سلمه الله، الذي قدّم معلومات دقيقة ومهمة حول عدد المساجد ومواقعها وبعض من تاريخها، معلومات تستحق التوثيق والمراجعة والمقارنة مع الوثائق التاريخية والوقفية المتاحة، وتشير إحدى الروايات إلى أن مساجد القلعة كانت في فترة من الفترات ما بين خمسة عشر وسبعة عشر مسجدًا، وهو ما يعكس كثافة الحياة داخل القلعة، وتعدد مساجدها بحسب محلاتها وفرقها.

مسجد الكريدي

لا يزال اسم الكريدي ومعناه جار البحث عنه! ومن هو الكريدي؟ وهل هو اسم عربي أم أعجمي؟ أما مسجد الكريدي فيقع في محلة الكريدي، وهي جزء من فريق الخان، وكان موقعه خلف سور القلعة مباشرة من الجهة الجنوبية الغربية «جهة بوابة باب الشمال»، وبعد إزالة السور من هذه الجهة، بُنيت لاحقًا دكاكين للبلدية امتدت إلى قريب السكة، وكان يفصل بينها وبين المنطقة طريق، وفيها ما عُرف بالقفافيص، ثم توسع الشارع في وقت لاحق، وهو الشارع المقابل للسفينة الموجودة سابقًا.

مداخلة!

الموقع المواجه للنج كانت بناية البيات التي كانت توجد فيها صيدلية المهنا، وكان أحد المساجد يقع خلفها، ثم أُزيل المسجد واستُلم التعويض من قبل المرحوم الحاج عبد الله صالح خضر، الذي اشترى أرضًا وبنى فيها مسجدًا عوضًا منه، ويقع المسجد البديل خلف معرض الشماسي للإنارة، وكان سماحة الشيخ عادل الأسود يصلي فيه سابقًا.

مسجد المنارة

مسجد المنارة من المساجد التي تحتاج إلى مزيد من البحث والتوثيق، إذ تشير الرواية إلى أن موقعه السابق كان غير الموقع الحالي، وأنه بُني في زمن سابق، وسُمّي رسميًا ”مسجد فيصل بن تركي“.

مسجد الخان قرب حسينية الجشي

كان هناك مسجد بالقرب من حسينية الجشي السابقة، إلى الجنوب من بارجة آل الزاير، وهي مجموعة من البيوت المتجاورة، وبعد قص الشارع الممتد من الشمال إلى الجنوب، والذي افتُتح عام 1385 هـ في شهر شوال، بقي جزء من بارجة آل الزاير، فاشتراه الحاج محمد الشيخ سليمان وأقام فيه مسجدًا عوضًا عن المسجد السابق، وهذا المسجد هو المعروف حاليًا باسم مسجد الإمام الجواد، أما المسجد الأصلي فلم يتضح حتى الآن اسمه، وكان يقع في محلة الخان.

مسجد السوق، ومسجد أوال، ومسجد الشبيبة، ومسجد الشيخ عبد الحميد

يُعد مسجد السوق من أقدم مساجد قلعة القطيف، وتذكر الرواية أن تاريخ بنائه يعود إلى سنة 216 هـ، وأنه كان قائمًا قبل تسوير قلعة القطيف في القرن التاسع الميلادي، ومع مرور الزمن تداعى بنيان المسجد، فقام رجل يُدعى أوال أبو حليس بترميمه، فنُسب إليه وعُرف باسم مسجد أوال، وكانت لهذا الرجل أوقاف بيد آل الشيخ في بلدة القديح.

وفي مرحلة لاحقة تداعى بناء المسجد مرة أخرى، وكان في الأصل أصغر من مساحته التي عُرف بها فيما بعد. فقام المقدس المحسن الحاج أحمد بن العلامة الشيخ محمد علي مسعود الجشي، المتوفى سنة 1317 هـ، بشراء بيت صغير يقع إلى غربي المسجد، وضمه إلى المسجد، فأصبح بالمساحة التي عُرف بها لاحقًا.

ثم احتاج المسجد إلى إعادة بناء جديدة، فقام المرحوم الحاج عبد الله ملك، بمشاركة مجموعة من أهالي المنطقة، بإعادة بناء المسجد. وكان من أبرز المساهمين في ذلك الوقت عدد من الشباب الموظفين والذين التحقوا أيضاً بشركة أرامكو، وأسهموا في أعمال البناء وإعادة إعمار المسجد.

المسجد وعلماء القطيف

ارتبط مسجد أوال بعدد من علماء القطيف الذين تولوا الصلاة فيه، فصلى فيه حجة الإسلام السيد ماجد العوامي، المتوفى سنة 1367 هـ، ثم الشيخ علي الجشي، المتوفى سنة 1376 هـ، ثم العلامة المقدس الشيخ محمد علي الخنيزي، المتوفى في شوال سنة 1382 هـ، وبعد وفاة الشيخ محمد علي الخنيزي، صلى في المسجد العلامة الشيخ عبد الحميد الخنيزي الخطي، رحمه الله، واستمرت إمامته فيه نحو 39 عامًا، وكانت أطول فترات الإمامة التي عرفها المسجد. ولولا أن المرض أقعده قبل وفاته بأقل من شهرين، لبلغت مدة إمامته أربعين عامًا.

ولهذا ارتبط المسجد في الذاكرة المحلية باسم الشيخ عبد الحميد، فعُرف في فترة من الزمن، ولا يزال يُعرف لدى بعض الأهالي، باسم مسجد الشيخ عبد الحميد.

مسجد الشبيبة

وفي عهد الإمام الشيخ علي الجشي، أصبح المسجد إلى جانب وظيفته الدينية مكانًا تُقام فيه مناسبات مواليد ووفيات أهل البيت ، إضافة إلى بعض المناسبات الاجتماعية، ومنها مواليد الأعراس ومجالس الفواتح.

ومع اتساع حضور الشباب في هذه الأنشطة، ارتبط المسجد بهم بصورة خاصة، فعُرف لاحقًا بين الأهالي باسم مسجد الشبيبة.

وهكذا حمل المسجد عبر تاريخه أكثر من اسم، ارتبط كل منها بمرحلة من مراحله: مسجد السوق، ثم مسجد أوال، ثم مسجد الشبيبة، كما ارتبط في مرحلة لاحقة باسم الشيخ عبد الحميد، لتبقى هذه التسميات شاهدة على تاريخ المسجد وتحول أدواره، وعلى صلته بالمجتمع والعلماء وأهالي قلعة القطيف.

بحث وتدقيق

مسجد الإمام الكبير الشيخ إبراهيم القطيفي.

ينسب هذا المسجد إلى الإمام الكبير الشيخ إبراهيم القطيفي، وهو من علماء القطيف المعروفين، والمدفون في الحلة بالعراق، حيث قبره معروف ويُزار، وقد عاش الشيخ إبراهيم القطيفي في أواخر القرن التاسع الهجري، وكانت له مع الإمام المحقق الكركي، العالم العاملي المشهور، مناقشات فقهية عميقة، ويحتاج المسجد المنسوب إليه إلى مزيد من البحث في موقعه وتاريخ بنائه وعلاقته العمرانية بمحلة القلعة.

مسجد الراجحية

محلة أم اسم لشخص؟

يقع مسجد الراجحية في محلة الراجحية، وهي من ضمن فريق الخان، وكانت هذه المحلة تضم حسينية البيات والبيوت المجاورة، ومنها بيت نصر الله الكرام، وبعض بيوت العلماء الأعلام من آل عبد الجبار، وبيت الحاج صالح أبو السعود والنهاش، وتؤكد أهمية هذه المنطقة وثيقة وقفية أُشير إليها، لبيت ملاصق للمسجد، وكانت الواقفة لهذا البيت والدة الحاج محمد البيات، وذلك في بدايات القرن الثاني عشر الهجري، ومن هنا جاءت تسمية المسجد بمسجد الراجحية، نسبة إلى المحلة التي يقع فيها؟

حصر أولي لمساجد قلعة القطيف التاريخية

ومن خلال جمع المعلومات والروايات والمصادر المتاحة، وضعت قائمة أولية لمساجد قلعة القطيف التاريخية، مع التأكيد أن هذا الحصر أولي وقابل للمراجعة والإضافة والتصحيح عند ظهور وثائق أو روايات موثقة جديدة:

1. مسجد المسألة - فريق الزريب.

2. مسجد أوال «الشبيبة» - فريق الخان.

3. مسجد الراجحية - فريق الزريب.

4. المسجد الصغير مقابل حسينية النهاش - فريق الزريب.

5. مسجد الشيخ عبد الكريم - فريق الزريب.

6. مسجد السيد علي العالم بجانب حسينية السنان - فريق الزريب التأكد من الاسم!.

7. مسجد السدرة، ويُشار إليه أيضًا باسم مسجد الشيخ منصور الزاير أو مسجد بن ليف - فريق السدرة.

8. مسجد الإمام الجواد، وكان موقعه سابقًا ضمن البارجة - فريق السدرة.

9. مسجد الجصاصة - فريق الوارش.

10. مسجد النعوش - فريق الوارش.

11. مسجد العين - فريق الوارش.

12. مسجد المنارة، ويُعرف أيضًا باسم مسجد فيصل بن تركي - فريق الخان.

13. مسجد تحيفة الصاباط الظلمي - فريق الزريب، ويحتاج إلى التحقق.

14. مسجد السجن، ويُعرف أيضًا باسم مسجد عيسى النجادة - فريق الوارش.

15. مسجد الشيخ إبراهيم القطيفي - فريق الخان.

16. مسجد الإمارة، الدرويشية، وكان المؤذن المرحوم أبو عبيد الغنام - ما بين الوارش والسدرة «خارج سور القلعة».

وهذه القائمة لا ينبغي النظر إليها بوصفها نهاية البحث، وإنما بوصفها بداية لخريطة تاريخية لمساجد قلعة القطيف، يمكن أن تتوسع من خلال الرجوع إلى الوثائق وسجلات الأوقاف، والوثائق العقارية القديمة، وروايات كبار السن، وما تبقى من آثار المساجد ومواقعها.

توثيق تاريخي

إن توثيق أسماء هذه المساجد ومواقعها يحفظ جزءًا من ذاكرة الوطن؛ فالمسجد في المدينة القديمة يعد مكانًا مهمًا للصلاة، ونقطة التقاء للعلماء والأهالي، ومكانًا للتعليم والمناسبات الدينية والاجتماعية، وعلامة من علامات المكان التي ينتمي إليها.

لحظة

ولعل الخطوات القادمة في هذا المشروع أن تُرسم خريطة لمساجد قلعة القطيف القديمة، يُحدد فيها موقع كل مسجد، واسمه، ورسمه، ومحلته، والفترة التاريخية التي «يُرجّح» أنه نشأ فيها، ومن ارتبط به من العلماء، وما طرأ عليه من تغيير، أو إزالة، أو نقل، أو إعادة بناء، لتصبح هذه المعلومات جزءًا من سجل موثق لذاكرة العمارة التقليدية الدينية في قلعة القطيف.