التكامل الخماسي
في هذا الكتاب سوف أشرح مفهوم التكامل، وهل ينطبق على الأفراد والمجتمعات والمنظمات والدول؟ طبعًا، لا يوجد أحدٌ كاملٌ، فخاصية الكمال لله وحده. فجميعنا يسعى في هذه الحياة لكسب نوع ما من الرضا. التكامل بشكل عام هو الجمع بين عناصر أو أشياء مختلفة لتكوين كيان واحد متماسك ومتناسق يُكمل بعضُه بعضًا، بحيث تعمل الأجزاء المختلفة معًا بانسجام لتحقيق هدف مشترك أو لزيادة الكفاءة والفعالية.
كانت حركة الأفراد أكثر حريةً بكثير، فنادرًا ما كانت جوازات السفر مطلوبة، وكان الحصول على الجنسية أمرًا يسيرًا. فهناك دراسة جميلة مفادها: «رغم التطور الهائل للعالم من جوانب متعددة، فإن المجتمعات أصبحت أبعد مسافةً من ذي قبل»، أي غير مترابطة كما في السابق. فالتكنولوجيا وعوامل متعددة أبعدت جانبًا من التواصل الروحي حتى بين أفراد العائلة الواحدة.
وفي شأن التكامل الإقليمي والعالمي، باتت الوظائف الأربع التي يضطلع بها النظام الدولي المتكامل الساعي إلى تحقيق التنمية، متفرقة وممزقةً في ظل غياب العدالة الإنسانية. وهذه الوظائف هي:
• تحقيق فوائض في الحساب الجاري من قِبل المركز «أي القوة المهيمنة».
• تحويل هذه الفوائض من قِبل المؤسسات المالية إلى قروض أو استثمارات بشروط مقبولة.
• إنتاج وبيع السلع الإنتاجية والتكنولوجيا الحديثة.
• الحفاظ على القوة العسكرية، واستخدامها عند الضرورة، لحفظ السلام وإنفاذ العقود.
قبل عام 1914، كانت المملكة المتحدة تمارس هذه الوظائف الأربع بصفتها القوة المهيمنة. وبين الحربين العالميتين، لم يكن هناك نظام دولي قائم، إذ لم تعد المملكة المتحدة قادرةً، ولم تكن الولايات المتحدة راغبةً بعدُ في قبول هذه الوظائف. ولمدة ربع قرن بعد الحرب العالمية الثانية، مارستها ونسقتها الولايات المتحدة. أما اليوم، فنحن نعيش في عالم متهالك ومخيف ومجزأ، يفتقر إلى التنسيق.
من وجهة نظري، نلاحظ استيعاب القوى الكبرى، خاصةً الغربية منها، مفهوم التكامل مبكرًا، حتى أصبح، مع مرور الزمن، يُستخدم كسلاح ذي حدين، وكأداة مزدوجة تخدم مصالح القوى الكبرى. على سبيل المثال، تأسس حلف شمال الأطلسي «NATO» مباشرة بعد الاحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين. ومع مرور عقود من الزمن واستغلال القوى الكبرى وبسط نفوذها على الموارد الأمنية والطبيعية… إلخ في دول متعددة في قارة أفريقيا والشرق الأوسط، وقد تصل إلى القطب الشمالي في المستقبل القريب. أصبح الجميع، بلا استثناء، يعاني مواجهة التحديات الأمنية وتحديات عالمية متزايدة في جميع أنحاء العالم، مثل الهجرة، والأزمات الصحية، والتحول الرقمي، والتهديدات السيبرانية، وتغير المناخ، والجريمة المنظمة. فالتجاهل المستمر من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن وقف الحروب، وغياب إشراك الجيوش العالمية في عمليات الاستدامة، وفشل إحراز التقدم المطلوب بشأن التحديات العالمية، سيدخل العالم في نفق غياب التكامل، ومن أبرزها:
غياب التكامل المناخي: العلاقة الطردية بين أنشطة التلوث التي يصنعها الإنسان والتغيّرات المناخية، على سبيل المثال لا الحصر، الإنفاق العسكري والتغيّر المناخي يسيران في المنحى التصاعدي نفسه، مما يتسبب في كارثة تتمثل في تغيّر خريطة العالم الجغرافية، والتي ستكون حتمية في حال لم يتم تدارك مسببات التغير المناخي، ففي دراسة نشرتها المجلة الأكاديمية الأمريكية المختصة بمراقبة المناخ «Nature Climate Change» في يوليو 2021، تُوصّل إلى استنتاج مفاده أنه بحلول عام 2100 ستكون جميع المناطق التي لا يزيد ارتفاعها عن مترين عن سطح البحر، في حكم الأراضي الغارقة، وتقدَّر مساحة هذه الأراضي بنحو 650 ألف كيلومتر مربع. ويرى الخبراء أن الكثير من المدن العالمية بحلول عام 2050 ستتأثر بشكل مباشر بارتفاع منسوب المياه، مثل نيويورك، ولندن، وإسطنبول، وشنغهاي، ومومباي، وغيرها.
غياب التكامل الأمني والاقتصادي: وهو الأخطر والأشد تأثيرًا على المدى القريب، وهذا ما حدث للقارة الأفريقية الغنية بالموارد الطبيعية. دعونا نتمعن جيدًا في بيان أحد أعظم دعاة الوحدة الأفريقية. السيد كوامي نكروما، الذي عبّر عن ذلك بقوله الآتي: «في رأيي، ينبغي لأفريقيا الموحدة، أي التوحيد السياسي والاقتصادي للقارة الأفريقية، أن تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف. أولًا، ينبغي أن يكون لدينا تخطيط اقتصادي شامل على مستوى القارة، مما سيزيد من القوة الصناعية والاقتصادية لأفريقيا. فما دمنا منقسمين، وما دمنا مجزأين إقليميًا أو جغرافيًا، سنظل عرضة للاستعمار والإمبريالية…» ولذلك نلاحظ الصراع المستمر بين الشرق والغرب، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا، فضلًا عن النزاعات المباشرة وغير المباشرة.
فالأبواب الخمسة التالية من هذا الكتاب تقدم لمحة سريعة عن التكامل الخماسي:
• مفهوم التكامل
• التكامل الاجتماعي
• التكامل الإقليمي
• التكامل الدولي
• عوائق التكامل
وأخيرًا، يختم الكتاب بكلمة أخيرة، ورؤية رائدة لآليات منظومة التعاون الإسلامي. ونأمل من الله العلي القدير التوفيق لطرح هذه المادة المتواضعة. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.












