آخر تحديث: 7 / 10 / 2026م - 11:50 م

بصمة وبسمة

المهندس أمير الصالح *


تمهيد

«وإنما المرءُ حديثٌ بعدهُ * فكن حديثًا حسنًا لمن وعى»، وهو من مقصورة الشاعر اللغوي المشهور ابن دريد الأزدي.

«إنما المرء بأصغريه: لسانه وقلبه»، الإمام علي بن أبي طالب .

أحلام تحققت وبعضها لم يتحقق بعد

حلمنا ونحن صغار أن نلتحق بالمدرسة، فدخلنا بحمد الله المدرسة. كبرنا وحلمنا أن نتخرج من المرحلة الثانوية بمعدل مرتفع، فتحقق الحلم بفضل الله.

فحلمنا أن ندخل الجامعة الفلانية المميزة، فسهّل الله، وقُبلنا في الجامعة، فحلمنا بالتخرج من تلكم الجامعة، فسهّل الله وتخرجنا. فحلمنا أن نلتحق بشركة كبيرة مرموقة في سوق العمل، فاستجاب الله لدعاء الوالدين، والتحقنا بشركة مرموقة. فحلمنا بأن يرزقنا الله بالزوجة الصالحة والذرية الطيبة، فأسبغ الله نعمه، فتزوجنا ووهبنا الله ذلك كله، فالحمد لله. فحلمنا بامتلاك البيت والسيارة، فتحقق الحلم برحمة الله وتوفيقه.

كانت الأحلام تداهمنا منذ الصغر وحتى الكهولة، حلمنا ونحن أطفالًا صغارًا بامتلاك لعبة بسيطة أو تناول وجبة مميزة في مطعم فاخر بمدينتنا. وكبرنا وكبرت أحلامنا، فصرنا نحلم بإكمال الدراسات العليا فأكملنا ولله الحمد. وحلمنا أن نساهم بوجوه الخير والبر والصدقة للفقراء والإحسان للمحتاجين، فوفقنا بحمد الله. والآن تراود بعضنا أحلام بأن يكون / نكون من أصحاب الثروات ومُلّاك العقارات والشركات الدولية العابرة للقارات. إلا أن أعمار أغلب أبناء جيلنا تجاوزت الستين عامًا. فأدركنا أن أحلامنا حتمًا لم ولن تتوقف؛ لأن طمعنا في المزيد من كرم الله لم ولن يتوقف. ولكن هل تحققت السعادة في قلوب الأغلب ممن تحققت أحلامهم، أم أن بزوغ نشوة فرح عابرة سرعان ما تخفت ويتوالد حلم أكبر من سابقه!!

ونطرح سؤالًا: هل خُلقنا فقط للسعي الدؤوب نحو تحقيق أحلام تعلو أسقفها يومًا بعد يوم، والعمر يمضي بأسرع منها؟!! وهل المزيد من الأحلام هو كل ما نريده في هذه الحياة؟؟ وهل نحن أتينا إلى الحياة لنأكل ونشرب ونتناسل ونتكاثر ونتفاخر ونملك دورًا ونتنقل ضمن أطر أحلام فردية؟! وهل نحن بهذا المفهوم عن الحياة نختلف عن أقوام مضوا دون تلمس السعادة في مسيرة حياتهم؟؟

الحوار

يعيش أغلب بني البشر حياة يعتريها الكبد والمعاناة والسعي الحثيث لتحقيق أحلام كلاسيكية «كالحصول على وظيفة وامتلاك منزل وسيارة»، ومتنقلين بأحلامهم من حلم إلى آخر بعنوان إنجازات دنيوية حتى يصلوا إلى مثواهم الأخير؛ والمراقب الموضوعي لكامل المشهد لحياة معظم بني البشر سيراها حياةً نمطيةً وسيناريو مكرر حد الممل، وأن السعادة بالمفهوم المادي فيها أشبه بنشوة عابرة أو صخب عابر بسيط سرعان ما ينطفئ. ولكنهم، أي أغلب البشر، لم يحققوا حقيقة السعادة الدائمة في حياتهم، وإنما سعى الأغلب خلف عناوين مختلفة أملًا في تحقيق السعادة الأبدية. وكلما جروا أكثر اكتشفوا أنهم جروا نحو سراب. إذًا، هناك خلل ولا بد من معالجته عبر غرس أو تصحيح مفاهيم معينة وتفعيلها في حياة الإنسان؛ لتكون رحلته إلى الله جل جلاله في الحياة الدنيا جميلة، وثمرتها نيل الفردوس الأعلى من الجنة في الآخرة. فحينذاك الله بكرمه سيهبه سعادة الدنيا، وسيعيش فعلًا جنة الدنيا قبل الانتقال إلى جنة الآخرة.

أهداف وخطط

وللوصول لتحقيق السعادة الحقيقية، ينصح بعض العقلاء بما يلي:

اجعل لك أهدافًا بمختلف المجالات

منها المهنية والمالية والصحية والرياضية والثقافية والاجتماعية والأسرية، تتناسب ومرحلتك العمرية. واعلم أن وجود الأهداف القابلة للتحقيق في حياتنا يجعل للحياة معنى ونكهة أفضل ومحفزاتٍ، ويبث الحيوية في داخل الإنسان.

2 - عِش بتوازن

رسول الله ﷺ يقول:

ولربك عليك حقًّا ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.

3 - تبنَّ لنفسك رسالةً بالحياة واربطها بالله تعالى واتقِ الله بكل شؤون حياتك

واستذكر نعم الله عليك بشكل دائم، وأحسن الظن بالله، واعلم أنك إن أرضيت الله تعالى بطاعته، فإنه سوف يرضيك بما قسمه لك من جهة، وسوف يغنيك ويكفيك.

3 - عِش ضمن يومك الذي أنت فيه

ولا تحزن على الماضي، ولا تحمل هم المستقبل بشكل مفرط، وكلنا تحت رحمة رب عظيم كريم غفور، فما دمنا بقربه سنشعر بالرحمة وبالأمان والقوة والسعادة.

الكل سوف يرحل، وسنترك خلفنا ذكريات مع أهلنا والمجتمع والناس الذين عشنا بينهم ومعهم، كما ترك السابقون من ذكريات. وصدق أمير المؤمنين الإمام علي عندما قال: «إنما المرء حديثٌ بعده، فكن حديثًا جميلًا لمن روى». نحن زوار وضيوف على هذه الحياة القصيرة، فلنترك خلفنا بصمة وبسمة.

تأمل

قال الله تعالى في حديثه القدسي: يا ابن آدم خلقتك لأجلي وخلقت الأشياء لأجلك، فلا تنشغل بالذي خُلق لأجلك عن الشيء الذي خلقتك لأجله.

ولذا عندما يقول أحد المفكرين الأصلاء بأن عليك أن تدرب نفسك على التفكير الإيجابي، أي درب نفسك على التعلق بما عند الله وليس التعلق بما عند أيدي الناس، فإن ذلك يخلق الرضا والاطمئنان والراحة والسعادة. ولذلك نرى القليل من الناس يضع خيارات الله تعالى له على أنها هي الأفضل لسعادته في الدنيا والآخرة.

هناك أقوال ثلاثة أوردها للتدارس والتفعيل:

1 - أقداركم تؤخذ من أفواهكم.

2 - من تمارض مَرِض، ومن تفاقر افتقر، ومن تذلل ذُل، ومن تهاون هان، ومن اعتز عز، ومن استحصن حُصن، ومن استعصم عُصم.

3 - كل متوقع آتٍ.

أي إن تغذية النفس وتدريبها على التفكير الإيجابي التحفيزي بالأفكار والأقوال والتخاطر والحديث مع النفس بشكل إيجابي أمر محمود العواقب. وكذلك كثرة قول الحمد لله على نعمه كالصحة والعافية والكرامة والبصر والأمن والأمان وتمام الخلقة والستر، بدل ادعاء الفقر ممن أعطاه الله النعم، أمر واجب؛ فإن من يكرر ادعاء الفقر وادعاء الضعف وكثرة الشكوى بادعاء الملل والضجر، سيصبح كذلك يومًا ما. وأن ما نتوقعه اليوم سيصبح واقعًا غدًا وإن طال الزمن. فالشخص حصيلة ما تمليه على نفسه من أقوال وهواجس وأفكار.

إذا أمدّ الله عمرك وأنت بصحة وعافية، ما هو حلمك بعد السبعين؟

هذا الطرح سنسلط الضوء عليه في الحلقات القادمة من سلسلة «بسمة وبصمة».