كسرُ أفقِ التوقُّع
قراءة في رواية «ووترفون» لنعيم آل مسافر..
العلاقةُ بين السِّينما والرواية تتوثَّق يوماً بعد آخر، حيثُ الحياة تستدعي التلازُم بينهما، إذ السِّينما تعتمد الرواية كأصلٍ لأعمالها، بينما الروايةُ تستفيد من إمكانات السِّينما في توسعة أُفقها وتنويع دلالتِها، وهذا التلازُم فتح الباب واسعاً أمام التجريبِ وخوض مساراتٍ جديدة ومختلِفة، عن الأعمالِ الكلاسيكية ذاتِ الامتداد الخطِّي المتتابع من البدايةِ إلى النهاية، الذي يُبرز ”التداعِي“ كتقنيةٍ سردية يلجأُ لها الكاتب؛ من أجل تجاوز أُفق النصوص وإيصالِ دلالتها إلى الجمهور، معَ محافظتها على التشويقِ والإثارة، وهوَ ما فعله نعيمُ آل مسافر في روايةِ ”ووترفون“.
تتقاطعُ الرواية مع السِّينما، إذ تحضرُ ”الكاميرا“ لتسجيلِ الانتقالات الفُجائِية في داخلِ السرد، فالتفاصيلُ الصغيرة هيَ ما يبني الأحداثَ الكبرى، وبما أنَّ التفاصيل مُتعلِّقة بالذات، اتَّجه الروائي إلى استعمالِ ضمير المتكلمِ ”أنا“، الذي سيغدُو راوياً مركزيًّا لجميع الأحداث ومشاركاً في بناء دلالتِها، حيث جميعُ الإشارات تعودُ إليه وتقودُ إلى أفعاله.
تبدأُ الرواية وتنتهي بذاتِ المقطع، إذ تمرُّ عشرات المشاهدِ والصور عبر تقنيَّاتِ ”التداعي الذهني“ و”الفلاش باك“، فتتمُّ استعادة الأحداثِ السابقة كَومضاتٍ خاطفة، معَ التركيز على دورِ ”الموت“ باعتباره الدلالةَ الأهم على المستوى السَّردِي: ”أيقظني من النوم ألم مُقلق في قلبي وكتفي الأيسر، وطنَّ في أذني أول الصحو صوت موسيقى غامضة، كأنها تأتي من عالم سحيق، ثم خطرت في ذهني عبارة“ موت على الورق ”، فداهمني شعور غريب أني قد أموت هذا اليوم“.
الاقترابُ من الموتِ والبعدُ عن الحذرِ فتحَ الذاكرة على ممارساتٍ غريبة، إذ اتَّجهت ناحية التخيُّلات، التي سيُبنى السرد على أساسِها، وهو ما يعني الحاجةَ إلى توثيقٍ لإقناع المتلقِّي؛ لتحضُر الكاميرا وتقومَ بوظيفة التوثيقِ والتأكيد والإقناعِ البصري، حيثُ الانتقالات لا تحدث عبثاً، بل عبرَ رتم معيَّن مرتبط بموسيقى غامِضَة، تدفع لمزيدٍ من التقاطُع مع الموت، الذي سيتضخَّم وتغدو ملاحقتهُ الشُّغل الشاغلَ للذات: ”هذه المرة الأولى التي سأتذوق طعم الموت فيها، وأنظر من نافذة الذاكرة إلى الدنيا بأسرها وهي تتقزم بعيني“.
اعتمدَ الكاتب على التداعياتِ في رسم أحداثِ روايته، فينتقلُ من مشهد إلى آخرَ كأنَّه في حلُم، وهي خاصيَّة سينمائية تُمارَس في قطع حدثٍ والانتقال إلى آخر؛ بغرضِ إيصالِ رسالة واستمرارِ تشويق، مثلَ حدث تحوُّل الجدران إلى شاشَات: ”تململتُ في السرير، غارقاً في تلك التداعيات الذهنية، حتى أخرجتني منها مشاهداتي لجدار الغرفة المواجه لي وقد أصبح كأنه شاشة عرض سينمائي!“، وهنا تتداخلُ الموسيقى ويصبحُ لها تأثير بالغٌ في توجيهِ الدلالة: ”ارتفع صوت موسيقى“ الووترفون ”شيئا فشيئا مع حفيف الأشجار ورفيف الأجنحة؛ فتحول فضاء الغرفة إلى أفق لا محدود، وأصبح رأس ذلك المخلوق في السماء وقدماه في الأرض وجناحاه يملآن الأفق!“.
المخلوقُ الخيالي لم يكُن سوى ”الممِيت الأكبر“، الذي تناسخَ عنه ”المميتين الصغار“، وهؤلاءِ حين تساقطت أوراقٌ يابسة من ”شجرة السدر العملاقة“ جمعُوها ثم ”انتشروا مسرعين“؛ لقبضِ أرواح الأشخاص: ”حينئذ قرَّب زوم الكاميرا ورقة بيد أحدهم، وكان فيها إسم وعنوان ما، غير واضحين. لمحت الورقة ولم أتمكن من قراءتها جيداً! فنظرَ إلي بنظرة زاجرة لمحاولتي قراءة ما كُتب فيها، ثم تحول إلى دخان تلاشى مع البقية شيئاً فشيئاً!“.
تلاحقُ الكاميرا المميتِينَ الصغار، محاولةً معرفة الأشخاصِ الذين سيتمُّ قبض أرواحِهم، لتحدُث انتقالات سريعةٌ بين المشاهد كَما هي اللقطاتُ السينمائِية ”سأعرف إن كان الطفل سيموت في مكان الحادث أو في المستشفى. إثر ذلك بهتت الشاشة أمام وجهي، أو أني فقدت التركيز عليها“، ليتمَّ الانتقال مباشرةً إلى: ”هممتُ بالتوجه نحو المطبخ لتناول الفطور بشكل سريع، وكان يُعرض في ذهني منطقة في وسط المدينة، وشارع آخر كأنني مررتُ به سابقاً أيضاً، وهبطتْ فيه سحابة دخان صغيرة، ودخلتْ من باب فندق كبير؛ فتبعتها الكاميرا إلى الداخل وسط صالة الاستقبال؛ فصعدتْ الدرج إلى غرفة في الطابق الثاني، ودخلتْ إليها من ثقب المفتاح“.
يستمرُّ الانتقال بينَ المشاهد ويصلُ غرفة المكتبةِ لتسقُط ”مسودة رواية“ موت على الورق ”التي كنت قد نسيتُ أين وضعتها قبل فترة. تأسفتُ لأني لم أقرأها، وكنت قد اختلقت أعذارا كثيرة لذلك، رغم أني كنت قد وعدتُ غازي بقراءتها، واقترحت عليه عنوانها هذا“، ثم يصلُ غرفة المعيشةِ حيث شاهدَ نفوق الأسماكِ في الحوض وتساءَل: ”هل تألمت عند الموت؟ وكيف كان طعمه عندما ذاقته، هل هو مغرٍ مثل الطُّعم الذي يضعه الصيادون عادةً في السنارة؟ وأين ستذهب بعد موتها؟ والأهم من كل ذلك، لماذا أستقبل موتي بكل هذا الهدوء والاسترخاء؟“.
الحياةُ ”فلم رعب“ لا ينتهي، فمن سقوطٍ إلى انفجارٍ إلى تقطيعِ أشلاء إلى موتٍ عدمي لا فائدةَ من ورائه، حتى باتَت المشاعر مُتبلِّدة وليس هناك سببٌ للشعور ”بالخوف من أفلام الرعب“، مهما كَانت ”أحداثه غير متوقعة، وكائناته المرعبة لم تخطر يوماً على بال صانعي تلك الأفلام“؛ ما يرسمُ سوداوية تهيمنُ على الرواية وعَوالمها: ”بحث والدي عن صديقه في الردهات رغم أن الطبيب أعطاه رقم الغرفة التي يرقد فيها! وأنا أحاول تخيل شكله كيف سيكون عندما ندخل عليه ونراه وقد هزمه المرض، وجعله منتظرا عند المعبر الأخير“.
المشهدُ لا ينتهي عندَ المعبر، إذ ”تعود الكاميرا إلى الردهة فأرى الموت في عينيه وهو ضعيف منكسر، يعانق والدي ويبكيان بحرارة... ليتهما يكونان معي اليوم في الشركة، وألتقيهما عائدين من العالم الآخر ليحدثاني عن حقيقة الموت، وكيف كان طعمه عندما ذاقاه؟“؛ لتنفتحَ نافذة مختلفة في إطلالتِها على الموت، فليسَ من الضروري أن يكونَ طعمه مرًّا ”للطعم خمس مذاقات فلماذا أجزم أن طعم الموت مرٌّ فقط؟ من يدري فربما يكون طعمه حلو أو لذيذ“، وهو ما ينقلُه إلى النقيض، ليرى السَّعادة في الموت، عوضاً عن السوداوية والعدَمِية.
معَ ”كسرِ أفق التوقع“ تستفيقُ الذات على واقعٍ جديد ”أيقظني صراخ الفتاة من اغفاءة ظننتُ - للوهلة الأولى - أني مِتُّ خلالها، لكن الألم في قلبي وكتفي، وطنين الووترفون في أذني، أفهمني غير ذلك“؛ لتتجهَ الدلالة نحو البهجةِ والحيوية وممارسةِ الحياة: ”تلفتُ من حولي فوجدتُ نفسي تحت شجرة السدر ولا شيء مما رأيت في المنام، ولاحظت أن الكورنيش قد بدأ باستقبال الناس، وافتتحت مقاهيه، وكذلك مطاعم الأكلات السريعة التي أوجعتني معدتي عند رؤيتها، فأيقنت أني مازلتُ حيًّا“.
مِثلَما تحملُ الحياة الأوجاعَ والآلام، فإنها أيضاً تحمل البهجةَ والأفراح، إذ مع المصائبِ تأتي ”السعادات“، فحينما اتَّصلت شقيقته للاطمئنانِ على حالته الصحية، فاجأها بطلبِ العودة ”للسكن في مدينتنا وسط البلاد“، حيثُ ”هي عاصمة حيادية آمنة هادئة وتتوفر فيها فرص العمل والأمان“، ومن أجلِ زيادة الإقناعِ ”عرضتُ عليها أن أتنازل لها عن حصتي في بيتنا القديم - الذي ورثناه عن أهلنا وبقي فارغاً - ففرحت وقالت أنها ستفاتح زوجها بأمر العودة للسكن في الكوت“.
خِتام الرواية بمقطعِ البداية يشيرُ إلى أنَّ دورة الحياةِ لا تتوقف، فالموتُ ليس النهاية، بل بدايةٌ جديدة وولادةٌ مختلفة، إذ الحياةُ لا بد أن يتخلَّلها يأسٌ وأملٌ وحلمٌ وألم، وهو ما استثمرهُ الروائي في توظيفهِ للتقنيَّات السينمائية، حيثُ جعل الانتقالَ السريع والتنويعَ في المشاهد والتركيزَ على فكرة الموت؛ طريقاً لإثارة المتلقِّي وإشباع فضُوله، قبل أنْ يعمد إلى كسرِ أفقه وإعادتهِ إلى الواقع.












