الفردانية المتوحشة أزمة إنسانية «6»
انقلاب الحرية على الإنسان

من نعم الله تعالى على الإنسان أن منحه القدرة على الاستقلالية والتخلص من التبعية العمياء، بما أودع فيه من عقلٍ يبصر حقائق الأمور وعواقب وآثار الخطى، وتلك الإرادة النفسية التي من خلالها يسعى إلى ما يصل إليه عقله الواعي من تحسين أو تقبيح لذلك المسعى، فتكون اختياراته وقراراته غير ناشئة من فراغ الأهواء أو الانفعالات المتهورة، بل هي مبنية في طريقة اختيارها وتنفيذها على تحمل مسؤولية كل ما يصدر عنه ويعي النتائج المترتبة عليها.
وحينئذٍ يتحقق مبدأ الحرية والاستقلال الذي ينشده لشخصية قوية تتحرك وفق مبانٍ ومعطيات واقعية ومنطقية، ولكن المشكلة تكمن في تحول هذا المبدأ النبيل والجميل إلى دائرة الاتساع والتحرك بعيدًا عن الضوابط الأخلاقية والفطرة السليمة المبنية على الرحمة والتعاطف مع الضعف الإنساني.
ولذا فإن العبودية لله تعالى والالتزام بالقيم الإلهية لا يُعدّ تقييدًا وتكبيلاً لحرية الإنسان واستقلاله، بل هي منهاج يتوافق مع تلك الضوابط التي تحفظ كرامته وعزته وتشبع روحه طمأنينة وأنسًا؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية 56 ].
فالحرية الحقيقية لا تعني أن يفعل الإنسان كل ما يشاء وإن جلب له الهلاك والخراب والأضرار الفادحة، بل هي بصيرة ونظرة واعية لما سيقدم عليه من فكرة أو سلوك وتمحيص في عواقبه ونتائجه، فيمتلك القدرة على اختيار ما ينبغي أن يفعله بما يتوافق مع العقل الواعي والنفس المنضبطة.
والفردانية المتوحشة تشير إلى تحكم الرغبة الشخصية في إصدار القرار والتصرف، وترى أن ما يُعلي القيمة ويحقق المكانة الحقيقية هي مكتسبات الذات وما يضفي عليها من منافع. وهكذا ينتقل الإنسان من عبودية الخالق والالتزام بالقيم الإلهية الداعية إلى الموازنة بين بناء الذات والعطاء الاجتماعي؛ فالسعادة الحقيقية لا تتحقق بتحقيق منجزات مع انسلاخ من الإنسانية النبيلة والتبلد الوجداني تجاه معاناة وحاجات الآخرين.
وهذه هي المفارقة العميقة في الفردانية المتطرفة التي ترفع شعار الاستقلال والتحرر وتحقيق البناء الذاتي، لكنها قد تنتهي إلى أسر الإنسان داخل رغباته وأهوائه والتقوقع حولها. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية الآية 23 ].
فعبادة الهوى لا تعني بالضرورة السجود للأوثان والاعتقاد بتدبيرها شؤون العباد، بل قد تكون حين يصبح الميل الشخصي حاكمًا على الحق والمحرك للفكر والسلوك؛ فالإنسان قد يختار ما يريده لكنه لا يملك أن يجعل اختياره معيارًا للحقيقة، وقد يرفض التزامًا أخلاقيًا لأنه لا يوافق مزاجه لكن رفضه لا يجعل الخطأ صوابًا.
فعندما تتحرر النفس من عبودية الهوى تصبح إرادتها أكثر نضجًا وبصيرة في النظر للأمور؛ لأنها لا تعود أسيرة النزوات العابرة المتحكمة في مسارها واتخاذ قراراتها وخطواتها. وهنا تتجلى قيمة العبودية لله تعالى ويظهر تأثيرها؛ فهي ليست انكسارًا للإنسان وتقييدًا لحريته، بل ارتقاء به فوق عبودية المال والشهوة والسلطة ونظرة الآخرين.












