آخر تحديث: 7 / 10 / 2026م - 1:19 ص

حين تتحول الإعاقة من حق في الدعم إلى قيد على المستقبل الجامعي

عباس قاسم الملاحي * صحيفة الجزيرة

في أحد فصول المرحلة الثانوية، قد يجلس طالب يعاني من مرض مزمن إلى جوار زملائه، يدرس المناهج نفسها، ويؤدي الاختبارات نفسها، وربما يتفوق عليهم في الرياضيات والفيزياء والكيمياء. طوال سنواته الدراسية لم تمنعه حالته الصحية من المنافسة، لكن المفاجأة قد تبدأ حين يقترب من بوابة الجامعة: هل يمكن أن يتحول التصنيف الصحي الذي كان هدفه دعمه في المدرسة إلى قيد يضيّق خياراته بعد التخرّج؟

هذا السؤال يستحق أن يُطرح اليوم بصوت واضح: إذا كنت من ذوي الإعاقة الجسمية أو الصحية، فهل منعتك إعاقتك أو تصنيفك من دراسة التخصص الجامعي الذي كنت تطمح إليه؟

السؤال ليس افتراضيًا بالنسبة إلى الموجه الطلابي الذي يتابع طلاب المرحلة الثانوية وهم يرسمون مستقبلهم. فمن واقع الممارسة الميدانية، تظهر حالات لطلاب مصنفين ضمن الإعاقة الجسمية والصحية، بينما لا تعكس هذه الصفة بالضرورة مستوى قدراتهم الأكاديمية ولا قدرتهم على النجاح في تخصص جامعي بعينه. وقد يكون بينهم طالب مصاب بمرض مزمن، كفقر الدم المنجلي مثلًا، لكنه متفوق دراسيًا وقادر على المنافسة في اختبارات القبول، ولا تؤثّر حالته في قدرته العقلية أو العلمية.

المفارقة أن فلسفة التربية الخاصة تقوم أساسًا على التمكين. ووزارة التعليم تؤكد في أدلتها وإجراءاتها حق الطالب ذي الإعاقة الجسمية في أداء الاختبار في المكان والزمن المناسبين لحالته، وأن يختبر مع طلاب التعليم العام كلما كان ذلك ممكنًا. كما تؤكد الوزارة أن الجامعات تقدم للطلبة ذوي الإعاقة برامج وتسهيلات وتكييفات تعليمية وتقييمية تساعدهم على مواصلة تعليمهم الجامعي.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كنا نكيّف البيئة والاختبار حتى يستطيع الطالب إظهار قدرته الحقيقية، فلماذا لا تكون قدرته الفعلية هي نقطة الانطلاق أيضًا عند تحديد ما يستطيع دراسته في الجامعة؟

المشكلة ليست في وجود ضوابط صحية لبعض التخصصات؛ فهذا أمر مفهوم حين تكون طبيعة التخصص أو المهنة مرتبطة بمتطلبات صحية محددة. المشكلة التي تستحق المراجعة هي أن يصبح التصنيف العام بديلًا عن التقييم الفردي. فالإعاقة الجسمية والصحية مظلة واسعة، والحالات التي تندرج تحتها ليست متساوية في طبيعتها ولا في شدتها ولا في أثرها على الدراسة.

وقد سبق أن رفعتُ، من واقع عملي في التوجيه الطلابي، مقترحًا يدعو إلى الانتقال من الحكم بناءً على التصنيف إلى تقييم فردي يجمع بين المستوى الأكاديمي، ونتائج اختبارات القبول، والتقرير الطبي، وطبيعة التخصص، ومدى تأثير الحالة الصحية فعليًا في متطلباته.

وهذا لا يعني فتح جميع التخصصات للجميع دون ضوابط، ولا تجاهل الرأي الطبي. بل يعني أن يكون الاستبعاد من تخصص ما قائمًا على مانع صحي أو أكاديمي حقيقي ومحدد، لا على اسم تصنيف واسع في النظام. ويمكن إنشاء مسار اعتراض أو تقييم للحالات التي يرى أصحابها أن حالتهم الصحية لا تحول دون دراسة التخصص، بحيث تنظر فيها لجنة تجمع المختصين الطبيين والأكاديميين والتربويين.

ومن المهم أيضًا الاستماع إلى أصحاب التجربة أنفسهم. ربما توجد قصص لطلاب تغيرت رغباتهم، أو تقلصت خياراتهم، أو اضطروا إلى دراسة تخصص لا يتفق مع قدراتهم بسبب تصنيف صحي. هذه التجارب، إذا جُمعت ودُرست، قد تكشف جانبًا لا تظهره الأرقام واللوائح وحدها.

لقد جاءت «منصة قبول» لتوحيد إجراءات القبول وتسهيلها وتعزيز تكافؤ الفرص بين الطلاب والطالبات. ومن هنا تبدو مراجعة آليات التعامل مع الإعاقة الجسمية والصحية خطوة منسجمة مع هذا الاتجاه: أن نحمي الطالب صحيًا، ونوفر له التسهيلات التي يحتاجها، من دون أن نضع أمام طموحه حاجزًا لا تفرضه حالته الفعلية.

لذلك فإن الدعوة موجهة إلى المسؤولين في وزارة التعليم والجهات المعنية بالقبول الجامعي لدراسة هذه القضية من جديد، والاستماع إلى المدارس والموجهين الطلابيين والأسر، والأهم إلى الطلاب ذوي الإعاقة أنفسهم.

فالعدالة لا تعني أن نعامل جميع الحالات بالطريقة نفسها، بل أن نعطي كل طالب الفرصة التي تتناسب مع قدرته الحقيقية.

وقد يكون السؤال الذي ينبغي أن يسبق اسم الإعاقة في أي قرار جامعي بسيطًا جدًا:

ماذا يستطيع هذا الطالب أن ينجز؟ لا: ما التصنيف المكتوب أمام اسمه؟

تربوي وتقني متخصص في التحول الرقمي، يجمع بين الخبرة التعليمية وتطوير الحلول الذكية وتحليل البيانات، ويوظف التقنية والتصميم الإبداعي لرفع كفاءة الأداء وخدمة المؤسسات التعليمية.