قصة كوميدية بطعم الحمية «8»
أبو علي... والهدنة التي كسرتها وليمة!

مرَّ أسبوع...
وأبو علي يعيش هدنةً حذرة مع النشويات.
لم يعد يقاطعها كما كان، لكنه لم يعد يثق بها تمامًا أيضًا!
كلما رأى رغيفًا قال في نفسه:
— السلام عليكم... لكن لا تقترب مني كثيرًا!
وإذا مرَّ بجانب قدر الأرز، اكتفى بالنظر إليه من بعيد، وكأن بينهما قضيةً لا تزال منظورة في المحكمة!
صار يتعامل مع النشويات كما يتعامل حارس البنك مع الخزنة...
يفتح الباب بحذر...
ويغلقه بسرعة!
حتى جاء ذلك اليوم...
رن هاتفه.
كان المتصل صديقه العزيز.
وبعد السلام والتحية، قال:
— يا أبا علي... يشرفني حضورك زفاف ابني، ولا بد أن تتعشى معنا.
تجمد أبو علي للحظات.
كان يخشى الدعوة أكثر مما يخشى الميزان!
أنهى المكالمة، ثم التفت إلى أم علي وقال:
— ما رأيك؟ أعتذر أم أذهب؟
قالت مبتسمة:
— اذهب... سيسعده حضورك، ولا يصح أن ترد دعوته.
تنهد وقال:
— أنا لا أخاف من الزواج...
أنا أخاف من العشاء!
أخشى أن تكون هذه الوليمة هي التي تقصم ظهر الهدنة كلها!
ضحكت أم علي وقالت:
— اذهب... وإذا دعاك إلى الطعام، فحاول أن تضبط أكلك قدر استطاعتك.
ظل يفكر قليلًا...
ثم قال فجأة:
— وجدتها!
سآخذ ابني معي...
سيكون مراقبًا رسميًا على تصرفاتي!
نظر إليه ابنه وضحك وقال:
— يعني أصبحتُ حارسًا للحمية؟
قال أبو علي:
— بالضبط...
وإذا رأيتني أقترب من الأرز أكثر من اللازم، فأنقذني!
- - -
وصل أبو علي إلى قاعة الزواج.
كان المكان يفيض بالأنوار، والوجوه المبتسمة، والتهاني، والدعوات الصادقة.
صافح صديقه بحرارة، وهنأ العريس، ودعا له بحياةٍ سعيدة.
احتضنه والد العريس وقال بفرح:
— والله يا أبا علي... نورت الحفل.
ثم أمسك بيده وقال:
— والآن... إلى قاعة الطعام.
ارتبك أبو علي وقال:
— والله... أنا شبعان.
ابتسم والد العريس وقال:
— هذا الكلام لا يُقبل الليلة!
ثم نادى أحد الشباب قائلًا:
— خذ أبا علي إلى قاعة الطعام، فهو من أعز أصدقائي، ولا بد أن نكرمه.
نظر أبو علي إلى ابنه...
فاكتفى الابن بابتسامةٍ عريضة وقال:
— يبدو أنه لا مفر يا أبي!
دخلا قاعة الطعام...
ووُضع أمامهما طبقٌ كبير من الأرز واللحم.
رفع أبو علي الغطاء...
فتوقف للحظة.
نظر إلى الطبق...
ثم ابتسم ابتسامةً طويلة وقال:
— يا ساتر...
منذ زمنٍ لم أرَ هذا المنظر عن قرب!
ثم همس لابنه:
— هيا... نخرج بسرعة.
أخشى أن أرتكب مع هذا الطبق جريمةً غذائية!
ابتسم الابن وقال:
— لكن يا أبي... أنا جائع!
دعني آكل أولًا.
وقبل أن يجيبه...
ظهر والد العريس مرةً أخرى، ونظر إلى الصحن وقال:
— ما هذا يا أبا علي؟
لماذا لم تبدأ بالأكل؟
ما هكذا ظننا بك!
ابتسم أبو علي ابتسامةً مرتبكة وقال:
— لا... لا... سأبدأ الآن.
قال والد العريس:
— بالصحة والعافية... وعقبال أفراح أولادك.
وغادر وهو يبتسم.
- - -
بقي أبو علي ينظر إلى طبق الأرز...
ثم قال في نفسه:
— أيها الأرز العزيز...
لماذا تظهر اليوم بكل هذا الجمال؟
ألا تعلم أن بيني وبينك هدنةً هشة؟
وكأنه سمع الأرز يجيبه:
— يا أبا علي...
أنا لم أدعُك!
ولم أطرق باب بيتك...
أنت من جاء إليَّ!
أما طريقة تعاملك معي...
فهي مسؤوليتك أنت.
ابتسم أبو علي وقال:
— يبدو أنك تعلمت الكلام من الخبز!
ثم مد يده...
كانت اللقمة الأولى...
بداية استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الأرز!
قال في نفسه:
— لقمة واحدة...
للمجاملة فقط.
لكن اللقمة الأولى نادت الثانية...
والثانية استدعت الثالثة...
وبعد دقائق...
كان نصف الطبق قد اختفى في ظروفٍ غامضة!
وفي تلك اللحظة مرَّ أحد أقارب والد العريس، ونظر إلى الطبق وقال مبتسمًا:
— لا تترك الطعام هكذا...
فهذا من هدر النعمة.
نظر إليه أبو علي...
ثم نظر إلى الطبق...
وقال بثقة:
— اطمئن...
لن نسمح بأي هدر!
ثم التفت إلى ابنه وقال:
— يبدو أننا أصبحنا أمام واجبٍ اجتماعي!
وأكمل أبو علي المهمة بحماس...
حتى لم يبقَ في الطبق إلا الذكريات!
- - -
خرج أبو علي من قاعة الزواج، وهو يهز رأسه ويحدث نفسه:
— يا أبا علي...
أسبوعٌ كامل من الانضباط...
انتهى في طبق أرز واحد!
ربت ابنه على كتفه وقال مبتسمًا:
— لا تحزن يا أبي...
كل مشكلة لها حل...
لكن بشرط...
ألا تجعل الحل يبدأ غدًا كما هي عادتك!
ابتسم أبو علي لأول مرة منذ خروجه من القاعة، وقال:
— هذه المرة...
لن أنتظر الغد.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، ومضى مع ابنه...
وقد بدأ يدرك أن الحمية الحقيقية لا تُختبر فقط أمام الثلاجة في البيت...
بل تُختبر أيضًا أمام وليمةٍ كبيرة، ومائدةٍ عامرة، وإلحاح المضيف، وصوتٍ داخلي يقول:
”مرة واحدة لن تضر!“
لا تجعل الوليمة تهدم ما بنيته؛ استمتع بالمناسبة والطعام باعتدال، وخذ من الطبق قدر حاجتك، وتذكّر أن إكرام النعمة لا يعني أن تأكل فوق حاجتك، وأن وجبةً زائدة لا تعني فشل حميتك؛ عد إلى نمطك المعتاد من الوجبة التالية.
وللقصة بقية...












