آخر تحديث: 4 / 10 / 2026م - 11:55 م

قصيدة النثر السعودية: نصف قرن من البحث عن صوت آخر

كاظم الصالح *


لم تأت قصيدة النثر في السعودية بوصفها نزوة عابرة أو تمردًا شكليًا على القصيدة العربية الموروثة، وإنما جاءت في سياق تحولات ثقافية وفكرية واجتماعية أخذت تتسع منذ ستينيات القرن العشرين، حين بدأت أصوات شعرية سعودية تلامس أشكالًا جديدة في الكتابة، متأثرة بما كان يجري في المشهد الشعري العربي، ولا سيما في بيروت ودمشق وبغداد والقاهرة.

ومنذ البدايات المبكرة التي يمكن رصدها في تجارب الشاعرة سارة بوحيمد، مرورًا بالتجربة اللافتة للشاعرة فوزية أبو خالد في سبعينيات القرن الماضي، ثم الأجيال التي تتابعت في الثمانينيات والتسعينيات وما بعدهما، أخذت قصيدة النثر السعودية تشق طريقها وسط جدل نقدي وثقافي واسع حول مفهومها ومشروعيتها وحدودها.

ولعل أهمية هذه التجربة لا تكمن في كونها تجاوزت الوزن والقافية فحسب، بل في أنها مثلت عبر أجيالها المتعاقبة، بحثًا عن لغة جديدة قادرة على التعبير عن ذات تتغير، ومدينة تتسع، ومجتمع يعيد تشكيل علاقته بالمكان والمعرفة والعالم.

فقد انتقلت القصيدة من سؤال الشكل إلى أسئلة أكثر عمقًا تتصل بالهوية والذات والاغتراب والذاكرة والتفاصيل اليومية، ثم اتسعت لاحقًا لتستوعب السرد والمشهدية والتجريب البصري والعوالم الرقمية.

ومن هنا تبدو رحلة قصيدة النثر السعودية جديرة بالقراءة بوصفها جزءًا من تاريخ التحول في الوعي الشعري والثقافي السعودي، رحلة بدأت بالمغامرة والمواجهة، ثم دخلت مرحلة إثبات الذات، قبل أن تصبح خيارًا شعريًا له أجياله وأصواته وتجربته الجمالية الخاصة.

وتعد الشاعرة سارة بوحيمد من أوائل من كتبوا نصًا ينتمي إلى مفهوم «قصيدة النثر» في السعودية، وذلك في بداية ستينيات القرن الماضي، من خلال نشر نصوصها في مجلات عربية، من بينها مجلة «الأديب» اللبنانية.

وفي منتصف السبعينيات الميلادية، أصدرت الشاعرة فوزية أبو خالد ديوانها «إلى متى يختطفونك ليلة العرس»، بوصفه تجربة مبكرة ولافتة في كتابة قصيدة النثر السعودية، وجاء ذلك في وقت كانت فيه قصيدة النثر قد أخذت طريقها إلى الانتشار في بلاد الشام والعراق ومصر، متأثرة بالتجارب التي ارتبطت بمجلة «شعر» التي أسسها الشاعر اللبناني يوسف الخال في بيروت منتصف الخمسينيات الميلادية، والتي أصبحت نافذة مهمة للتجارب الشعرية الجديدة، وأسهمت في التعريف بقصيدة النثر والدفاع عن أشكال التجديد في الشعر العربي.

اتسمت قصائد فوزية أبو خالد بالبحث عن الذات، وكسر القوالب الشعرية التقليدية، والاعتماد على لغة رمزية مكثفة، وهو ما منح تجربتها حضورًا خاصًا في المشهد الشعري السعودي آنذاك.

بعد ذلك توالت موجات كتابة قصيدة النثر في الثمانينيات والتسعينيات، وهي المرحلة التي بدأت خلالها تتشكل الملامح الأوضح لهذه التجربة في السعودية، وبلغت حضورًا لافتًا في منتصف التسعينيات، رغم الجدل النقدي الذي ظل يرافقها.

وبرز في هذه المرحلة عدد من الشعراء الذين أصدروا دواوين في قصيدة النثر، ومنهم أحمد الملا، وأحمد كتوعه، وإبراهيم الحسين، ومحمد الحرز، ومحمد حبيبي، وغسان الخنيزي، وعبد الله السفر، وحمد الفقيه، وعلي العمري، وعيد الخميسي، ومحمد الدميني، وقد صدرت بعض تجاربهم عن «دار الجديد» اللبنانية.

اتسمت قصائد هذا الجيل بالتأمل الفلسفي، واستحضار روح المكان، والانشغال بالعزلة والذاكرة، والالتفات إلى التفاصيل الصغيرة واليومي، والعادي، والمهمش، بحيث لم تعد القصيدة منشغلة بما هو استثنائي بقدر اهتمامها بما يمر بنا في الحياة دون أن نلحظه.

ومع الألفية الجديدة وما بعدها، برزت أصوات شعرية أخرى تكتب في قصيدة النثر، من بينها صالح زمانان، وأحمد العلي، ومحمد خضر، وزكي الصدير، وعبد الله ثابت، وعبدالرحمن الشهري، وعبد الله المحسن. وقد اتجهت تجارب هذا الجيل إلى السرد والمشهدية، واستخدام لغة أقرب إلى الحياة اليومية، إلى جانب حضور العوالم الرقمية، والذاتية، والتجريب في شكل القصيدة وبنيتها البصرية.

ولم تكن قصيدة النثر لدى أجيال الشعراء السعوديين مجرد تجربة أسلوبية طارئة أو خروج شكلي على قصيدة الخليل، بل كانت تحولًا في الحساسية الشعرية نفسها، ورحلةً طويلةً من التجريب والبحث عن صوت جديد يتسع للتحولات الاجتماعية والثقافية التي عاشها المجتمع السعودي.

فقد تجاوزت القصيدة، مع مرور الوقت، الأسئلة الأولى المتعلقة بالشكل والتصنيف، وانفتحت على الحياة بتفاصيلها اليومية، وعلى أسئلة الإنسان ومخاوفه وذاكرته وعلاقته بالمكان. ولذلك فإن النظر إليها من زاوية خروجها من الوزن والقافية وحدها يظل قراءة ناقصة لتجربة أكثر اتساعًا، فالشاعر الذي يتخلى عن الإيقاع الخارجي لا يتحرر بالضرورة من التقليد، إذ يبقى التحدي الأصعب هو أن يخلق إيقاعه الداخلي، وأن يمنح اللغة كثافتها ودهشتها، وأن يجعل النص قادرًا على بناء عالمه الخاص.

قصيدة النثر، في جانب مهم منها، هي قصيدة المدينة والفضاء المفتوح، وهي أيضا إحدى العلامات التي رافقت التحولات الثقافية والاجتماعية التي عاشها المجتمع. لقد رافقت تحولات المدينة، وتبدل علاقة الفرد بالمكان، واتساع فضاء المعرفة، وظهور أجيال جديدة أكثر اتصالًا بالعالم، ولذلك فإن قراءة هذه القصيدة لا ينبغي أن تكون بحثا عن شكل شعري بديل فحسب، وإنما يمكن أن تكون قراءة لتحولات الوعي واللغة والذات في المجتمع السعودي الحديث.

وبعد أكثر من نصف قرن على بداياتها، لم تعد قصيدة النثر مغامرة شكلية تبحث عن الاعتراف بقدر ما أصبحت جزءًا من المشهد الشعري السعودي.

كاتب مهتم بالفكر والفلسفة، عضو جمعية الفلسفة السعودية