حين تنمو اللغة وينمو المفهوم

حين طرحتُ في تلك الجلسة الأدبية الشعرية مع الأستاذ الأكبر والمفكر والشاعر الكبير محمد العلي، ومع الشاعر الكبير السيد عدنان العوامي، والشاعر المبدع جاسم الصحيح، والشاعر المبدع حيدر العبدالله، والشاعر الرقيق شفيق العبادي، ذلك السؤال الذي يبدو في ظاهره بسيطاً، بينما يختبئ وراءه واحد من أعمق الأسئلة التي يمكن أن تفتحها اللغة أمام الإنسان: هل اللغة تنمو من خلال المفاهيم، أم أن المفاهيم تنمو من خلال اللغة، أم أن الاثنين معاً ينموان في حركة متبادلة لا يستطيع أحدهما أن يستغني فيها عن الآخر؟ لم أكن أبحث عن إجابة مدرسية، ولا عن تعريف جاهز، وإنما كنت أبحث عن تلك المنطقة الخفية التي يلتقي فيها الفكر باللغة، ويلتقي فيها المعنى بالكلمة، ويلتقي فيها الإنسان بنفسه.
ولعل جمال السؤال أنه لا يسمح لنا بأن نضع اللغة في جهة والمفهوم في جهة أخرى، ثم نبحث عن أيهما جاء أولاً. فكلما حاولنا أن نفصل بينهما، اكتشفنا أن أحدهما يسكن في الآخر، وأن اللغة ليست مجرد ثوب يلبسه المفهوم بعد أن يولد، كما أن المفهوم ليس مجرد مادة صامتة تنتظر اللغة كي تمنحها اسماً.
إنني أميل إلى أن العلاقة بين اللغة والمفاهيم ليست علاقة سابق ولاحق، وإنما هي علاقة تَخَلُّق متبادل. اللغة تفتح للمفهوم طريق الظهور، والمفهوم يدفع اللغة إلى أن تتجاوز ما استقر فيها من دلالات. وحين تتغير رؤيتنا للعالم، تتغير حاجتنا إلى اللغة، وحين تتسع اللغة وتتجدد قدرتها على التعبير، تتسع معها إمكانات رؤيتنا للعالم.
لكنني أظن أن المسألة تصبح أكثر عمقاً حين نتوقف عند كلمة «المفهوم» نفسها. فالمفهوم ليس كلمة. الكلمة قد تكون وعاءً للمفهوم، وقد تكون مفتاحاً للدخول إليه، لكنها ليست المفهوم ذاته. المفهوم تاريخٌ من الاستعمال، وتراكمٌ من التجربة، وتحولٌ في الوعي. ولذلك فإن الكلمة الواحدة قد تبقى ثابتة في صورتها، بينما يتغير مفهومها عبر الزمن، وكأن الكلمة جسدٌ يحتفظ بملامحه، بينما تتبدل الروح التي تسكنه.
وهنا أستعيد، على نحو خاص، ما طرحه محمد العلي في تلك الجلسة. فمحمد العلي لا يتعامل مع اللغة بوصفها مخزناً جاهزاً نأخذ منه الكلمات ثم نضعها على المعاني، وإنما يتعامل معها بوصفها مجالاً حياً لتكوين الوعي نفسه. وهذه واحدة من القضايا التي تبدو حاضرة في مشروعه الفكري؛ إذ إن المفهوم عنده ليس شيئاً جامداً، بل يتحول ويتشكل ويتخذ تاريخه داخل اللغة.
ومن هنا أفهم لماذا كانت لمحمد العلي في هذه المسألة الصولة والجولة. فهو لا ينظر إلى اللغة من خارجها، بل ينظر إليها باعتبارها إحدى أكثر الأدوات قدرة على صناعة الوعي. الإنسان لا يفكر باللغة فقط، وإنما يكتشف من خلالها أشياء لم يكن قد اكتشفها قبل أن يحاول قولها. وهذه النقطة بالذات تجعل الكتابة فعلاً معرفياً، لا مجرد فعل تعبيري.
كم مرة جلسنا وفي داخلنا معنى غامض، نشعر به ولا نستطيع الإمساك به؟ ثم نبدأ بالكلام، أو بالكتابة، فإذا بالمعنى نفسه يتضح لنا أثناء التعبير عنه. كأننا لم نكن نعرف تماماً ماذا نريد أن نقول قبل أن نبدأ القول. وهنا لا تكون اللغة قد نقلت فكرتنا فحسب، بل تكون قد ساعدتنا على اكتشافها.
وهذا هو، في تقديري، أحد أسرار الشعر.
الشاعر لا يدخل القصيدة دائماً وهو يعرف نهايتها. قد يدخلها وفي داخله إحساس، أو صورة، أو سؤال، أو قلق، أو شيء مبهم لا يعرف له اسماً، ثم تبدأ اللغة في ملاحقته. كلمة تستدعي كلمة، وصورة تستدعي صورة، وإيقاع يفتح باباً لم يكن في الحسبان، حتى يصل الشاعر أحياناً إلى معنى لم يكن يعرف أنه موجود فيه قبل أن تكتبه القصيدة.
وهنا تصبح اللغة أكثر من أداة.
تصبح شريكاً في الاكتشاف.
ولذلك لا أستطيع أن أقول إن المفاهيم تنمو من اللغة وحدها، ولا أستطيع أن أقول إن اللغة تنمو من المفاهيم وحدها. المفهوم حين يتسع يضغط على اللغة كي تبحث له عن مساحة أوسع، واللغة حين تتسع تمنح المفهوم قدرة أكبر على أن يرى نفسه وأن يدخل مناطق جديدة من التفكير.
إن المفهوم الجديد يحتاج إلى لغة جديدة أو إلى إعادة شحن للغة القديمة. وكثير من التحولات الكبرى في الفكر لم تبدأ دائماً باختراع كلمات جديدة، وإنما بدأت بإعادة النظر في الكلمات القديمة، وإخراجها من معناها المستقر إلى معنى آخر أكثر اتساعاً. فالحرية، والعدالة، والحقيقة، والإنسان، والوطن، والدين، والجمال، والحب، ليست كلمات تتغير حروفها، وإنما تتغير خرائطها داخل الوعي الإنساني.
وهنا تكمن خطورة اللغة وجمالها في آن واحد.
فالكلمة التي نستخدمها اليوم قد لا تكون هي الكلمة نفسها التي استخدمها إنسان قبل مئة عام، حتى لو بقيت حروفها كما هي. لأن المفهوم الذي تسكنه الكلمة قد يكون قد قطع مسافة طويلة من التجربة والتاريخ.
ولعل هذا ما يجعلني أرى أن اللغة ليست مرآة للواقع فقط، وإنما هي أيضاً إحدى الأدوات التي يعيد الإنسان بها بناء واقعه في وعيه. فنحن لا نعيش الأشياء وحدها، وإنما نعيش أسماءها ومفاهيمها وتأويلاتنا لها. وكلما تغيرت المفاهيم تغيرت علاقتنا بالأشياء، وكلما تغيرت علاقتنا بالأشياء احتاجت اللغة إلى أن تستجيب لهذا التحول.
أما الشعر، فهو أكثر الأجناس الأدبية كشفاً عن هذه العلاقة، لأنه لا يستخدم اللغة لكي يقول المعنى فقط، بل يجعل اللغة نفسها جزءاً من ولادة المعنى. ولهذا قد تكون الكلمة في القصيدة أكبر من معناها المعجمي، وقد يصبح الصمت بين كلمتين جزءاً من المعنى، وقد تحمل صورة واحدة ما تعجز عنه صفحات من الشرح.
ومن هنا أفهم أيضاً حضور الشعراء الذين شاركوني تلك الجلسة. فلكل واحد منهم تجربته مع اللغة، ولكل واحد منهم طريقته في الوصول إلى المعنى، لكنهم جميعاً يلتقون عند منطقة واحدة: أن اللغة ليست شيئاً خارج التجربة الشعرية، بل هي قلب التجربة نفسها.
السيد عدنان العوامي، بخبرته الطويلة مع الشعر واللغة، يأتي من منطقة تعرف أن الكلمة لا تُقاس بما تقوله وحده، وإنما بما تفتحه من احتمالات. وجاسم الصحيح يعرف، بحساسيته الشعرية العالية، أن المعنى لا يكون حياً إلا حين تتحول الكلمة من مجرد دلالة إلى تجربة. وحيدر العبدالله، بما في شعره من رهافة وانفتاح، يترك للغة أن تقوده أحياناً إلى ما وراء المعنى المباشر. وشفيق العبادي، برقته وحساسيته، يذكرنا بأن اللغة ليست عقلاً فقط، وإنما هي أيضاً إحساس وذاكرة ونبرة وموسيقى.
أما محمد العلي، فقد أخذ السؤال إلى منطقة أعمق: إلى الإنسان نفسه، وإلى الوعي الذي لا يتوقف عن إعادة إنتاج مفاهيمه، وإلى اللغة التي لا تستطيع أن تبقى ساكنة ما دام الإنسان نفسه في حركة.
وهذا يقودني إلى نتيجة ربما تبدو بسيطة، لكنها في نظري تحمل كل المسألة: لا اللغة تنمو من المفاهيم وحدها، ولا المفاهيم تنمو من اللغة وحدها؛ إنهما ينموان معاً، وكل واحد منهما يدفع الآخر إلى تجاوز حدوده.
اللغة تمنح المفهوم جسده، والمفهوم يمنح اللغة أفقها.
اللغة تحفظ ما عرفناه، والمفهوم يدفعنا إلى اكتشاف ما لم نعرفه.
والشعر هو اللحظة التي يصبح فيها هذا التبادل مرئياً؛ حين تبدأ الكلمة وهي تحمل معنى، ثم تنتهي وهي قد صنعت معنى آخر، وحين يدخل الشاعر القصيدة وهو يظن أنه يعرف ما يريد قوله، ثم يخرج منها وقد عرف شيئاً لم يكن يعرفه عن نفسه.
لهذا أعود إلى السؤال الذي بدأنا منه، ولا أرى ضرورة لأن أختار بين طرفيه.
فالسؤال نفسه ربما يكون أجمل من الإجابة.
لأن اللغة والمفهوم ليسا خصمين في معركة البحث عن الأولوية، بل كائنان يتبادلان الحياة. كلما اتسع أحدهما استدعى الآخر إلى الاتساع، وكلما ضاق أحدهما ضاق به الآخر. وحين تبلغ اللغة درجة من النضج، لا تعود الكلمات مجرد أدوات في يد الفكر، وحين يبلغ المفهوم درجة من النضج، لا يعود قابلاً لأن تسجنه اللغة في معناها الأول.
وربما لهذا تظل اللغة حية ما دام الإنسان حياً؛ لأن الإنسان لا يكف عن إعادة اكتشاف العالم، ولا يكف عن إعادة اكتشاف نفسه، ولا يكف عن البحث عن كلمة تستطيع أن تقول ما لم تستطع الكلمات السابقة أن تقوله.
وفي تلك اللحظة تحديداً، لحظة البحث عن الكلمة التي لم تولد بعد، يبدأ المفهوم في النمو، وتبدأ اللغة في الولادة من جديد.












