آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:35 م

المُعتَّقُ وعشُّ الكُتب

سالم الأصيل


كان القصد الأثر الجديد للشاعر المُجيد المُحسن أمجد المحسن؛ كتابه الجديد الصادر عن ”بسطة حسن“، والواقع في ثلاثة أجزاء تحت اسم ”معتّق، أو صوغة النّديم للنّديم“، الصادر عن ”دار بسطة حسن“ وراعيها البسيط النشيط حسن آل حمادة، الرجل الذي عايش وعاشر وتعاهد الكتاب كما يعايش ويتعاهد المزارع أرضه، فمنذ عقود؛ غدا وراح مُروِّجًا له متأبطًا إياه؛ أجنحةً على بسطة/ بساط الريح، مستعينًا بالريح تارة إن هبّت اغتنمها، وإن أدبرت وعاكسته جابهها، وهكذا كان ويكون.

ولمّا جرى الاتفاق، وتمت البيعة كما ينبغي، عبر المحادثة الكتابية، وضع الكتاب حيث ينبغي، وقد أشار في فيديو قصير يوضح مكانه مشيرًا إلى عشٍّ صغيرٍ تحت الشجرة، وبتعبيره، وبلسانه القطيفي ولهجته السويچية المُعتَّقة: ”تحت البمبرة“!

وبحفاوته المعهودة بالكتاب والساعين في أثره، كان قد سبق ذلك بعبارات لطيفة هي خير ما يفتتح به البائع وخير ما تتلقفه أذن المشتري في سوق الكلمة ومدلولاتها.

هناك في أول الصباح، البواكير، بواكير الرزق، وبواكير الغذاء. غذاء العقل «الكتاب»، وغذاء الروح «الشعر»: ”صباح الورد.. صباح الخير.. صباح المُعتَّق“

وفي سعة من الشعر، مشيرًا إلى مكانه الأثير الذي أطلق عليه موفقًا: ”عِشّ الكُتُب“، هذا الاسم الشعري للمكان الأكثر شعرية وقد سكنته الكتب والكلمات، تنبشه الأيدي بحثًا عن الحرف والكلمة، في الزمان الذي تُسابق الأيدي الزمن لتتناول وجباتها المشتهاة من الطعام، على أجنحة السرعة وعجلات السيارات والدراجات النارية اللاهثة لتملأ البطون الجائعة، والجيوب المتسعة للمكاسب التي لا تنتهي في دائرة لا تتوقف عن الطهي والاستلام والتسليم للأطعمة المتنوعة.!

ويا للقصد أو الصدفة الموافِقة التي أوقعته ”تحت البمبرة“، حيث البيعة السرّيّة بين الطيور المهاجرة الباحثة عن الكتاب، ومواطن الغذاء والدفء تحت ظل الشجرة، وبين من نذر نفسه للكتاب مقيمًا وراعيًا لـ ”عشّ الكتب“.

جئت ليلاً؛ ليل الصباح إياه، وفي الظلام الداجي، رحت أتأمل العشّ الصغير محملقًا تحت الشجرة في الفكرة قبل الوجود، وإذا بصاحب العشّ قد وصل عائدًا من رياضته المعتادة، فحمل الكتاب بيده من داخل العشّ، في الوقت الذي كان ينبغي أن تكون الخدمة ذاتية، لكنها الصدفة الجميلة التي حملت صاحب العش إلى العودة من خارج الدار، وكأنه كان يحرس طيوره «كتبه»، فألقفني زادي المشتهى من عشّ الكتب.

الزبدة، لا يخطر ببالي أن أتسلّم الغنيمة؛ والحال أنّ ”الغنائم بطائق الحَمام“ كما يقول أمجد المحسن، أن أتسلمها من مكان هو أجمل وأليق من العشّ!

أمّا الحادث الشعري الكبير ”صوغة النديم للنديم“، فله حديث آخر مستقل إن شاء الله...