آخر تحديث: 2 / 10 / 2026م - 11:45 م

ما يتبقّى خارج الجملة

نازك الخنيزي


تكتمل الجملة، ويظلّ الكاتب يشعر بنقصها. إيقاعٌ متماسك، كلماتٌ في مواضعها، ومعنى واضح؛ يقرأها فيفتقد شيئًا من حرارة التجربة. نقل تفاصيل المشهد، وأفلتت منه رجفته. وصف اليد، وعجز عن دفئها. استعاد البيت، وظلّت رائحة أهله خارج الصفحة. بين ما عاشه وما استطاع قوله مسافةٌ يسكنها قلق الكتابة: كيف يمنح الكلمات حياة ما مرّ به، دون أن يثقلها بالشرح أو يبدّد سرّها؟

تصل الذكرى محمّلةً بما يتجاوز حاجة النص. يريد منها مشهدًا، فتفتح له بيتًا كاملًا؛ أصواتًا من غرفة مجاورة، ظلّ شجرة على الجدار، وجهًا رفع إليه عينيه ذات مساء. ينتقي من هذا الحضور ما يحتمله البناء، ويترك بقيّة التفاصيل في عهدة الصمت. يحذف تفصيلًا أحبّه، فتخفّ العبارة ويثقل قلبه قليلًا. يتأمّل موضع الحذف؛ شيءٌ جاء ليستعيده، وصارت استقامة ما يكتب تقتضي غيابه.

للاستعادة كلفتها أيضًا. تمتدّ يده إلى ذكرى ظنّها استقرّت في ماضيه، فتتحرّك تحت أصابعه. يسمع سؤالًا تأخّر جوابه، ويتنبّه إلى تعبٍ في وجهٍ لم يحسن قراءته يومئذ. تمنحه المسافة فهمًا أوسع، وتحرمه فرصة تدارك ما فهمه. يفرغ من الكتابة، ويظلّ السؤال معه، يعبر إلى بقيّة يومه، ويجلس إلى مائدته.

لهذا يتردّد أحيانًا أمام حكايةٍ يعرف أنه قادر على صياغتها؛ يدرك ما سيستيقظ أثناء الاقتراب منها. بعض الصفحات تستنزف طاقته قبل العثور على كلماتها الأولى، ويحتاج بعد إنجازها إلى وقتٍ يستردّ فيه نفسه من الوجوه التي استحضرها. وقد يعجز عن قراءتها أيامًا، لشدة قربها من الموضع الذي آلمه.

مع النشر، يأخذ الوجع صورة الانكشاف. يخرج الكلام من ألفة صاحبه إلى عيونٍ تحمل تجارب أخرى. تستوقف القارئ عبارةٌ توقظ فيه خسارة، أو يمرّ بما استغرق من الكاتب ليلةً كاملة دون أن ينتبه إليه. وربما يعثر في الهامش على معنى غاب عن صاحبه أثناء العمل. يفرح الكاتب بهذا اللقاء، ويشعر أحيانًا بوحشة كلماتٍ يعرفها، وقد اكتسبت في قراءة الآخرين دلالاتٍ لم يقصدها.

وسط هذه القراءات، يحتاج إلى أذنٍ تميّز. فالملاحظة الدقيقة قد تؤلمه بقدر ما تنفعه، خاصةً إذا كشفت خللًا أحسّه وتردّد في مواجهته. يعود إلى عمله، يختبر جملةً اعتزّ بها، ويتراجع عن اختيارٍ لم يعد يطمئنّ إليه. تمنح هذه العودة كتابته فرصةً للنضج، وتختبر قدرته على التخلّي. أما التجريح فيجرّه إلى الدفاع عن نفسه، ويستنزف ما يحتاجه من وقتٍ وصفاء. ويصعب التمييز أحيانًا؛ قد يصدّ ملاحظةً نافعة تحت وطأة الحساسية، أو يمنح إساءةً عابرة أكثر مما تستحقّ من انتباه.

ثمّة وجعٌ أقلّ صخبًا: أن ينشر ما استغرق منه الكثير، ويعود العالم إلى شؤونه المعتادة. يتفقّد ما كتب، ينتظر أثرًا يدلّه على وصوله. يوقظ الصمت شكوكه القديمة، فيراجع اختياراتٍ اطمأنّ إليها قبل ساعات، ويسأل نفسه إن كانت قيمة عمله تُقاس بما تلقّاه من استجابة. وربما تصله بعد زمنٍ رسالةٌ من قارئٍ مجهول؛ جملةٌ كاد يحذفها رافقت ذلك الإنسان خلال ليلةٍ شاقّة. يعود إليها، ويتأمّل كيف اتّسعت لحياةٍ لم يعرفها.

وقد يتأخّر هذا الخبر، وتسبقه كتابةٌ جديدة. ذكرى تغيّر معناها، إحساسٌ استعصى على التسمية، تفصيلٌ عابر يلحّ عليه منذ الصباح. يجلس إلى مكتبه حاملًا ما تعذّر قوله من قبل، ويجرّب اقترابًا آخر.

على طرف المكتب كوبٌ برد، وأمام عينيه سطرٌ يقرأه بصوتٍ خافت. يتوقّف عند كلمة، يشطبها، ويطيل النظر إلى موضعها. من الفراغ الصغير يعود إليه وجهٌ ظنّ أنه أتمّ وصفه؛ ينتبه هذه المرّة إلى التعب حول عينيه، ويمدّ يده إلى القلم.