آخر تحديث: 2 / 10 / 2026م - 12:24 ص

الحضور المدرسي.. لماذا يغيب الطالب؟

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

شهدت نسب غياب الطلاب خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يستحق التوقف عنده لفهم أسبابه وانعكاساته على العملية التعليمية. ولا يعني ارتفاع النسب بالضرورة وجود مشكلة عامة، لكنه مؤشر يستدعي قراءة هادئة للواقع، والنظر في العوامل التي قد تؤثر في انتظام الطلاب، وصولًا إلى حلول تعزز الحضور والاستفادة من اليوم الدراسي.

أتذكر أنني، وأنا طفلة في الروضة، كنت أتحمس للذهاب في يوم محدد لسبب يبدو اليوم بسيطًا وطريفًا: كانوا يحضرون لنا «الدونات». في بلدتنا آنذاك، لم تكن متاحة كما هي اليوم، فتحولت قطعة حلوى صغيرة في ذاكرة طفلة إلى شيء يجعل المدرسة مكانًا تنتظره.

واليوم أرى الفكرة نفسها في جيل مختلف تمامًا. هناك طالب يحرص على الوصول مبكرًا لأنه يريد لعب كرة القدم مع أصدقائه قبل بداية اليوم الدراسي.

ليست القضية «دونات» ولا كرة قدم بالطبع؛ القضية هي تجربة الطالب في المدرسة.

نحن محقون عندما نؤكد أهمية الانضباط. فالانتظام في الحضور ينعكس على التعلم، ويسهم في تحقيق الاستفادة من اليوم الدراسي، كما يدعم جهود الطالب والمعلم والمدرسة. وفي الوقت نفسه، يظل الانضباط وسيلة لتعزيز العملية التعليمية، وليس غايتها النهائية. ومن هنا، فإن الاهتمام بالحضور يمكن أن يترافق مع سؤال مهم: كيف نجعل الطالب أكثر رغبة في التعلم وأكثر ارتباطًا بمدرسته؟

لقد تغير الطالب، وتغيرت الأسرة، وتطورت التقنية، ولدينا اليوم بنية رقمية تعليمية لم تكن موجودة قبل سنوات، إلى جانب أدوات متعددة تساعد المعلم على متابعة حضور الطلاب وتفاعلهم خلال اليوم الدراسي.

لذلك، ربما حان الوقت لأن ننتقل خطوة أخرى: من إدارة الحضور إلى إدارة تجربة التعلم.

البداية، في رأيي، دراسة وطنية لأسباب الغياب، كمية ونوعية، تستمع إلى الطالب والمعلم والأسرة وقائد المدرسة، وتدرس الفروق بين المناطق والمراحل والمدارس. لماذا يغيب الطالب؟ هل يرتبط السبب بالنقل؟ أو البيئة المدرسية؟ أو النوم؟ أو الأسرة؟ أو الجدول؟ أو الأنشطة؟ أو عوامل اجتماعية أخرى؟

وبناءً على النتائج، يمكن للجهات المعنية اختيار عينة من المدارس لتجربة نماذج مختلفة لمدة عام دراسي، مع قياس النتائج قبل التطبيق وبعده. قد تختبر مدرسة أنشطة رياضية واجتماعية جاذبة في بداية اليوم، وتجرب أخرى استخدامًا مدروسًا للتعلم الرقمي أو المدمج حيث يناسب، وتبني ثالثة شراكات للاستفادة من المرافق الرياضية والعامة المحيطة بها.

والمدرسة التي تتمكن من تحسين الحضور والتحصيل من خلال تجربة مبتكرة تستحق أن تُدرس تجربتها وأن تُشارك مع غيرها، والمعلم الذي يبتكر نشاطًا يجعل طلابه أكثر ارتباطًا بالمدرسة يستحق التقدير والدعم.

وهذا ينطبق على المعلم أيضًا. فالمرونة لا تعني غياب المتابعة، كما أن الانضباط لا ينبغي أن يقتصر على قياس عدد الساعات. والمنظومة التعليمية الحديثة تبحث عن التوازن بين الالتزام والإنجاز، وبين توحيد المعايير وترك مساحة للابتكار.

وأقترح هنا خطوة عملية ومحددة: برنامج تجريبي لمدة عام دراسي في مجموعة مختارة من المدارس، هدفه تحسين الحضور وتعزيز ارتباط الطالب بالمدرسة، على أن تُقاس النتائج قبل التجربة وبعدها، ثم تُوسّع الممارسات التي تثبت نجاحها.

إن نجحت تجربة نوسعها، وإن لم تحقق النتائج المرجوة نتعلم منها ونطورها. فهكذا تُبنى السياسات على الدليل، وتتحول البيانات إلى فرص للتحسين.

كيف نعزز انتظام الطالب في الحضور؟

بل:

كيف نصنع مدرسة يحرص الطالب على الحضور إليها؟

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي