لماذا خصَّ القرآن الأسحار بالاستغفار؟

حين يصف القرآن الكريم أهل التقوى والإحسان، فإنه لا يكتفي بالحديث عن إيمانٍ يسكن القلوب، بل يكشف لنا عن آثار هذا الإيمان في سلوكهم وعبادتهم وصلتهم بالله تعالى. ومن أجمل تلك الصفات قوله سبحانه:
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [1]
إنها كلمات قليلة، لكنها ترسم مشهدًا إيمانيًا عظيمًا: الليل يوشك أن يرحل، والناس في سكون، والدنيا قد هدأت من ضجيجها، بينما هناك قلوب لم تنم عن ربها، وألسنة تتحرك بالاستغفار، ونفوس تقف بين يدي خالقها في لحظات لا يراها فيها إلا الله.
السَّحَر هو آخر الليل قبيل طلوع الفجر، وهي ساعة تختلف عن سائر ساعات اليوم؛ يقل فيها الصخب، وتنقطع كثير من الشواغل، ويصفو القلب من ازدحام الحياة.
وفي هذا الوقت تحديدًا اختار المتقون أن تكون لهم خلوة مع الله.
فإذا كانت ساعات النهار ميدانًا للسعي والعمل ومخالطة الناس، فإن السَّحَر ميدان آخر؛ ميدان الصدق مع النفس، ومحاسبتها، والوقوف بين يدي الله بعيدًا عن أعين الآخرين.
وهنا تظهر قيمة العبادة الخفية؛ فالإنسان لا ينتظر ثناءً، ولا يبحث عن إعجاب، ولا يريد أن يعرف أحد بقيامه واستغفاره. إنه يقف وحده أمام الله، يحمل ضعفه وتقصيره ورجاءه.
من اللافت أن القرآن لم يقل فقط إنهم يصلّون أو يقومون الليل، وإنما قال: ﴿هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
وكأن المؤمن كلما اقترب من الله ازداد شعورًا بالتقصير، لا شعورًا بالكمال.
فالمتقون لا يرون عبادتهم سببًا للعُجب بالنفس، ولا يشعرون بأن لهم على الله حقًا بسبب طاعتهم، بل كلما ازدادوا طاعةً ازدادوا تواضعًا، وكلما عرفوا الله أكثر أدركوا مقدار حاجتهم إلى رحمته ومغفرته.
وهنا درس تربوي عميق:
العبادة الحقيقية لا تصنع إنسانًا مغرورًا بعمله، وإنما تصنع قلبًا أكثر تواضعًا وانكسارًا بين يدي الله.
قد نتصور الاستغفار مجرد ترديد عبارة: «أستغفر الله»، ولكنه أعمق من ذلك.
الاستغفار الصادق حالة قلبية قبل أن يكون كلمة على اللسان؛ أن يراجع الإنسان نفسه، ويتذكر تقصيره، ويندم على ذنبه، ويرجو رحمة ربه، ويعزم على أن يكون غده أفضل من أمسه.
ولذلك يمكن أن تكون لحظات السحر مدرسة يومية لمراجعة النفس:
ماذا فعلت بالأمس؟ هل ظلمت أحدًا؟ هل جرحت قلبًا؟
هل قصّرت في واجب؟ هل ضيّعت نعمة؟ هل أخطأت ثم بررت خطئي بدل الاعتراف به؟
ثم يرفع العبد قلبه قبل يديه ويقول: ربِّ اغفر لي.
ذكر المفسرون ارتباط هذه الآية بقيام الليل وصلاة الليل، ولا سيما أن صلاة الوتر تشتمل على الاستغفار والدعاء.
وقد ورد عن الإمام الصادق
في تفسير هذه الصفة:
«كانوا يستغفرون الله في الوتر سبعين مرة في السحر». [2]
وهكذا يصبح السَّحَر محطة تجمع بين الصلاة والدعاء والاستغفار والمناجاة؛ فيبدأ الإنسان يومه قبل أن يبدأه الناس، ولكن ليس بأخبار الدنيا وهمومها، وإنما بالوقوف بين يدي الله.
لعل من أسرار العبادة في السحر أنها تحتاج إلى مجاهدة.
فالفراش مريح، والنوم محبوب، والجسد يطلب الراحة، ولكن قلب المؤمن يدعوه إلى شيء آخر.
إنها دقائق قد لا يعرف بها زوج، ولا ولد، ولا صديق، ولا مجتمع، لكنها عند الله عظيمة؛ لأنها لحظات انتصر فيها الإنسان على راحته، وقام يطلب رضا ربه.
وهنا يتبين الفرق بين من يعبد الله عندما تكون العبادة سهلة، ومن يبحث عن الله حتى في ساعة النوم والهدوء.
ليس المطلوب أن يبدأ الإنسان بما يشق عليه، بل يستطيع أن يفتح لنفسه بابًا يسيرًا.
قد يستيقظ قبل الفجر بدقائق، فيصلي ما تيسر له، أو يدعو، أو يقرأ شيئًا من القرآن، أو يجلس مستغفرًا بقلب حاضر.
المهم أن تكون له نافذة في آخر الليل يطل منها على عالم آخر؛ عالم السكينة والمناجاة والرجوع إلى الله.
فربَّ دقائق قليلة صادقة غيّرت قلبًا، ورب استغفار خرج من أعماق النفس فتح للإنسان بابًا من الرحمة لم يكن يتوقعه.
وَأَمَّا صِيغَةُ الِاسْتِغْفَارِ فِي الْوِتْرِ، فَقَدْ وَرَدَتْ مُخْتَلِفَةً، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ رَبِّي وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، لِجَمِيعِ ظُلْمِي وَجُرْمِي، وَإِسْرَافِي عَلَى نَفْسِي وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَذَكَرُوا: «أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِغْفَارُ لِأَرْبَعِينَ مُؤْمِنًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا»، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا وَرَدَ مِنْ أَدْعِيَةِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ. [3]
وَالدُّعَاءُ بَعْدَ رُكُوعِ الْوِتْرِ بِمَا دَعَا بِهِ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى «عَلَيْهِ السَّلَامُ»، وَهُوَ:
«هَذَا مَقَامُ مَنْ حَسَنَاتُهُ نِعْمَةٌ مِنْكَ، وَشُكْرُهُ ضَعِيفٌ، وَذَنْبُهُ عَظِيمٌ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ إِلَّا رِفْقُكَ وَرَحْمَتُكَ، فَإِنَّكَ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ»: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ? وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ . طَالَ وَاللَّهِ هُجُوعِي، وَقَلَّ قِيَامِي، وَهَذَا السَّحَرُ، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ لِذُنُوبِي اسْتِغْفَارَ مَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا مَوْتًا، وَلَا حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا». [4]
ومن أجمل ما تعلمنا إياه الآية أن التقوى لا تعني أن يرى الإنسان نفسه كاملًا.
بل إن من علامات التقوى أن يبقى الإنسان واعيًا بضعفه، خائفًا من تقصيره، راجيًا رحمة ربه.
ولهذا كان أولئك الذين أثنى الله عليهم في الآيات من المحسنين، ومع ذلك كانوا في الأسحار يستغفرون.
فإذا كان المحسن يستغفر، فكيف بمن يعرف من نفسه التقصير؟
إن الاستغفار ليس عبادة المذنبين وحدهم، بل هو عبادة العارفين بالله أيضًا؛ لأنهم يدركون أن مهما قدّم الإنسان من طاعة، فإنه يبقى محتاجًا إلى فضل الله ورحمته.
وهنا معنى عظيم يستحق التأمل: الآيات تتحدث عن أهل الإحسان والتقوى، ومع ذلك تصفهم بأنهم يستغفرون.
فالمؤمن كلما ازداد معرفة بالله، ازداد إدراكًا لضعفه وحاجته إلى رحمته. والطاعة الحقيقية لا تصنع إنسانًا معجبًا بنفسه، بل قلبًا أكثر تواضعًا.
فالمتقون لا يقولون في نهاية عبادتهم: لقد أحسنّا، بل يقولون: ربنا اغفر لنا.
وهذا من أجمل آثار الاستغفار؛ فهو يحفظ القلب من العُجب، ويذكّر الإنسان بأن العمل مهما عظم يبقى محتاجًا إلى قبول الله ورحمته.
ومن هنا نفهم أن من علامات التقوى ألا يرى الإنسان نفسه أفضل من الآخرين، وإنما يرى نفسه دائمًا محتاجًا إلى مغفرة الله.
ما أجمل أن يكون للإنسان موعد يومي لا يعرفه الناس، موعد بينه وبين ربه.
لا هاتف، ولا رسائل، ولا ضوضاء، ولا مطالب الحياة.
ركعات، واستغفار، ودعاء، ودمعة ربما لا يراها أحد.
وفي تلك اللحظات قد يقول العبد كلمات بسيطة جدًا، لكنها تخرج من قلب منكسر:
يا رب، أخطأت فاغفر لي.
يا رب، قصّرت فتجاوز عني.
يا رب، أصلح قلبي.
يا رب، لا تكلني إلى نفسي.
يا رب، اجعل يومي القادم أقرب إليك من يومي الذي مضى.
وهكذا يصبح السحر ليس مجرد وقت من أوقات الليل، بل موعدًا لتجديد القلب.
يقوم عبد من فراشه، ربما يحمل همًّا لا يعرفه أحد، أو ذنبًا أثقل قلبه، أو حاجة طال انتظارها، أو دمعة أخفاها عن أقرب الناس إليه.
يقف في السَّحَر، ولا يملك إلا أن يقول:
يا رب…
قد لا يعلم الناس بقيامه، ولا يسمعون استغفاره، ولا يرون دمعته، ولكن الله يعلم.
وهنا تكمن روعة السَّحَر: أن تكون في حياتك مساحة لا يدخلها إلا الله.
فإذا أقبل الفجر وعادت الدنيا إلى ضجيجها، خرج إليها الإنسان بقلب مختلف؛ لأنه قبل أن يلتقي بالناس، التقى بربه، وقبل أن يبدأ يومه، غسل قلبه بالاستغفار.
فلنجعل لنا نصيبًا من هذه الصفة القرآنية العظيمة، ولو بدقائق قليلة؛ فربما كان استغفار صادق في سكون السَّحَر سببًا في مغفرة ذنب، أو تفريج كرب، أو إصلاح قلب، أو بداية طريق جديد.
حين قال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
لم يكن يصف مجرد كلمات تُقال، بل كان يصف قلوبًا يقظة حين تهدأ الدنيا، وعبادًا لا تغرّهم أعمالهم، ونفوسًا تعرف أن الطريق إلى الله يحتاج دائمًا إلى توبة ومراجعة واستغفار.
وقد ينام الإنسان وفي قلبه أثقال يوم كامل، ثم يستيقظ في السحر فيضعها جميعًا بين يدي الله.
وهناك، في هدوء الليل، يتعلم المؤمن حقيقة عظيمة:
أن أعظم لحظات القوة قد تكون لحظة انكسارك بين يدي الله، وأن أجمل بدايات الأيام قد تبدأ بكلمة صادقة في السَّحَر: أستغفر الله وأتوب إليه.
يا رب، هذه أخطائي وأنت تعلمها، وهذه همومي وأنت تعرفها، وهذه حاجاتي وأنت قادر عليها، وهذه ذنوبي ولا يغفرها إلا أنت… أستغفرك وأتوب إليك.
وما أجمل أن يستقبل الإنسان فجره وقد سبق نورَ الشمس نورُ الاستغفار في قلبه.












