حين تكون الرغبة على حساب الكرامة

يحمل الإنسان في قلبه رغبات كثيرة، ويتطلع إلى الرزق والنجاح والمحبة والمكانة. وهذه تطلعات تدفعه إلى العمل وبناء حياته، لكن قيمتها تتحدد أيضًا بالطريق الذي يسلكه لتحقيقها، والثمن الذي يدفعه للوصول إليها. فقد ينال الإنسان ما يشتهي، ثم يكتشف أنه خسر في سبيله شيئًا أثمن: صدقه، أو حريته، أو احترامه لنفسه.
ورد عن الإمام الصادق
: ”مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ.“ [1]
ليست المشكلة في أن يرغب الإنسان، وإنما في أن تستولي الرغبة على قلبه حتى تتحكم في قراراته. فالمال وسيلة للعيش الكريم، والمنصب فرصة للعمل وخدمة الناس، ومحبة الآخرين مصدر أنس ومودة. غير أن التعلق المفرط بهذه الأمور قد يجعل صاحبها مستعدًا للتنازل عن مبادئه حتى لا يفقدها.
عندئذ يضعف أمام ما يريد، ويبدأ بتبرير ما كان يستنكره: يجامل على حساب الحقيقة، ويسكت عن التجاوز، ويقبل معاملة تؤذيه خوفًا من ضياع مصلحة. وهكذا تتحول الرغبة من حافز يساعده على التقدم إلى قيد يضيّق اختياراته، ويجعله أسيرًا لما يرجوه أو يخشى فقدانه.
غالبًا لا تبدأ خسارة الكرامة بموقف كبير، بل بتنازل صغير يجد له الإنسان عذرًا مقبولًا في نظره. فقد يبالغ في مدح شخص نافذ، ثم يدافع عن خطئه، ثم يشارك في إخفائه، حتى يصبح الحفاظ على العلاقة أهم عنده من الحفاظ على الأمانة.
وقد يعرف في داخله أنه تجاوز حدوده، لكنه يؤجل المراجعة قائلًا: سأصل إلى هدفي ثم أتوقف. غير أن الاعتياد يجعل التراجع أصعب، وكل منفعة يحصل عليها قد تزيد تعلقه بالطريق الذي أوصله إليها. لذلك تكون الوقفة المبكرة مع النفس أيسر من محاولة الخروج بعد تراكم التنازلات.
تظهر الرغبة المذلّة في موظف ينافق مسؤوله طمعًا في ترقية، أو تاجر يخدع زبائنه رغبة في ربح إضافي، أو شخص يساير ظلمًا حتى يضمن بقاءه قريبًا من أصحاب النفوذ. وفي هذه الصور يصبح المكسب مقدّمًا على الضمير، وتغدو المبادئ قابلة للتأجيل كلما ظهرت منفعة.
وقد تظهر في العلاقات الاجتماعية أيضًا، حين ينفق فوق قدرته ليحافظ على صورة مصطنعة، أو يجعل تقديره لذاته مرهونًا بإعجاب الآخرين. ومع مرور الوقت، يعيش منشغلًا بالسؤال: كيف يرونني؟ وينسى أن يسأل: هل أنا راضٍ عن سلوكي؟
من الضروري ألا نفهم هذه الوصية بطريقة تجرح المحتاج أو تحمّله مسؤولية ما يتعرض له من إساءة. فالفقر ليس مذلة، والمرض ليس نقصًا، وطلب المساعدة عند الحاجة حق إنساني، والتعاون والتكافل من القيم التي تحفظ تماسك المجتمع.
كما أن من يتعرض للإكراه أو الاستغلال يحتاج إلى الدعم والحماية، لا إلى اللوم. والحديث يدعونا إلى تهذيب الطمع الذي يدفع إلى التفريط الاختياري بالقيم، ولا يبرر قسوة الناس على الضعفاء. وصيانة الكرامة مسؤولية مشتركة: يحفظ الإنسان نفسه، ويحترم الآخرون حاجته، ويقدمون له العون دون منّ أو إهانة.
قد يختلط الاعتزاز بالنفس بالتكبر، كما قد يُفهم التواضع على أنه ضعف. والحقيقة أن الإنسان يستطيع أن يكون لطيفًا متواضعًا، وفي الوقت نفسه واضحًا في حدوده، ثابتًا على مبادئه، قادرًا على رفض ما يسيء إليه أو يوقعه في الخطأ.
فالاعتذار عن الإساءة شجاعة، وقبول النصيحة نضج، والاعتراف بالتقصير أمانة. ولا ينقص قدر الإنسان أن يتعلم ممن هو أصغر منه أو أقل مكانة اجتماعية. إنما يضرّه أن يتخلى عن الحق تزلّفًا، أو يتصنّع قناعة لا يؤمن بها ليضمن رضا شخص أو جماعة.
تمنح القناعة الإنسان مساحة داخلية من الحرية؛ فيعمل لتحسين حياته، لكنه لا يجعل سعادته متوقفة على امتلاك كل ما يراه عند غيره. ويطمح إلى التقدم، مع إدراكه أن بعض الفرص لا تستحق ما تطلبه من تنازلات.
ومن وسائل تنمية القناعة تقليل المقارنات، وتذكر النعم، والتمييز بين الحاجة الحقيقية والرغبة التي تثيرها المظاهر. ويساعد التوكل على الله على مواجهة الخوف من فوات المصالح؛ إذ يسعى المؤمن بالأسباب المشروعة، ويستحضر أن بابًا يُغلق لا يعني انقطاع الخير، وأن سلامة الضمير نعمة تستحق أن تُصان.
يحتاج الإنسان إلى لحظات صادقة يسأل فيها نفسه: لماذا أريد هذا الأمر؟ وهل أطلبه لحاجة نافعة أم لإثبات تفوقي أمام الآخرين؟ وما الحدود التي لن أتجاوزها مهما كانت المغريات؟ وهل أستطيع الانسحاب إذا أصبح الوصول إليه مشروطًا بظلم أو كذب؟
هذه الأسئلة تساعد على اكتشاف التعلق قبل أن يشتد. ويعين عليها الاستماع إلى نصيحة أمينة، وتأجيل القرار حين يطغى الانفعال، والبحث عن بدائل تحفظ المصلحة والكرامة معًا. فوضوح الحدود قبل مواجهة الإغراء يجعل الثبات عليها أقرب وأيسر.
ومن واجبنا أن نغرس هذه المعاني في أبنائنا؛ فنعلّمهم أن قيمتهم لا يحددها ثمن ملابسهم، ولا عدد المعجبين بهم، ولا قبول مجموعة من الأصدقاء لهم. ونشجعهم على التعبير عن رفضهم بأدب، وطلب المساندة حين يتعرضون للإهانة أو الابتزاز.
والقدوة أبلغ من الموعظة؛ فالطفل الذي يرى والديه يصدقان عند الخسارة، ويرفضان منفعة تقوم على الغش، يتعلم أن المبادئ تُحفظ بالفعل. وحين يجد الاحترام داخل أسرته، يكون أقدر على إدراك حقه في الاحترام خارجها.
قد نخسر فرصة حين نتمسك بموقف نزيه، وقد يتأخر مطلب لأننا رفضنا طريقًا ملتويًا، لكننا نحتفظ بما نبني عليه حياتنا: ضمير مطمئن، وثقة بالنفس، وقدرة على النظر إلى ماضينا دون خجل.
فلنسعَ إلى أحلامنا بجد، ولنسأل أنفسنا عند كل إغراء: ماذا سيبقى مني بعد أن أحصل على ما أريد؟ فبعض الأشياء يعوَّض فواتها، أما أن يصبح الإنسان غريبًا عن قيمه، فذلك ثمن لا يستحقه أي مكسب.












