آخر تحديث: 2 / 10 / 2026م - 12:24 ص

حين ينجح العمل... وتختل الحياة

الدكتور جعفر آل قيصوم


ثمة حقيقة تبدو بسيطة، لكنها كثيرًا ما تغيب عن أذهاننا ونحن نطارد النجاح، وهي أن العمل جزء من حياة الإنسان، وليس الحياة كلها، فالإنسان لم يُخلق ليكون رئيسًا أو مديرًا أو موظفًا أو صاحب منصب أو مكانة مادية فحسب، وإنما خُلق ليبني حياة متكاملة، يجد فيها العمل إلى جانب الأسرة، والنجاح إلى جانب الصحة، والعلاقات إلى جانب الراحة، والإنجاز إلى جانب المعنى.

صحيح أن الله عز وجل أودع في الإنسان من الطاقات والقدرات والإمكانيات ما يؤهله لعمارة الأرض، وتحمل الأمانة، وهيأ له كل ما يعينه على العمل والإنتاج، ودعاه إلى السعي والاجتهاد، لكن هذه الإمكانيات والطاقات لم تُمنح له ليجعل العمل المادي محور حياته الوحيد، وإنما ليكون جزءًا من حياة متوازنة، تتكامل فيها المسؤوليات مع جوانب الحياة الأخرى.

ولعل أبلغ ما يُعبر عن هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. فليست المشكلة في أن ننجح في العمل، ولا في أن نطمح إلى المزيد، وإنما في الثمن الذي ندفعه مقابل هذا النجاح، فمتى أصبح النجاح المهني يُبنى على حساب الصحة، أو الأسرة، أو العلاقات، أو السلام الداخلي، لم يعد نجاحًا متكاملًا أو متوازنًا أو مطلوبًا، بل أصبح نجاحًا في جانب من الحياة على حساب جوانبها الأخرى.

وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: لماذا ينجح العمل… وتختل الحياة؟ وكيف نحافظ على طموحنا وإنجازنا المهني، دون أن ندفع مقابله صحتنا وأسرتنا وعلاقاتنا، وحقنا في أن نعيش الحياة التي من أجلها نعمل؟

عوامل نجاح الوظيفة… وتراجع الحياة

لا يكفي أن ندرك أن الوظيفة جزء من الحياة، بل ينبغي أن ننتقل من الوعي إلى الممارسة، وذلك من خلال فهم وتحليل الأسباب والعوامل التي جعلت كثيرًا من الناس يمنحون العمل معظم وقتهم وطاقتهم واهتمامهم حتى أصبحت بقية جوانب الحياة تتراجع شيئًا فشيئًا. ومن أبرز تلك العوامل:

1- العوامل الثقافية والنفسية: فقد ترسخ في وعينا أن الإنسان يُقاس بما ينتجه، وبمنصبه وراتبه وقدرته على الترقّي، فصار السؤال الشائع: «ماذا تعمل؟» بدلًا من «كيف تعيش؟» وحين يُختزل النجاح في العمل، يُصبح كل وقت لا يُصرف في العمل وقتًا مهدورًا، وكل اهتمام خارج العمل ترفًا أو تقصيرًا، وقد يشعر الإنسان بالذنب إذا أخذ قسطًا من الراحة، أو قضى وقتًا مع أسرته، أو مارس هواية، أو اعتنى بصحته، وكأن قيمة الإنسان لا تثبت إلا بقدر ما ينجزه في ساعات العمل.

2- العوامل العملية والمهارية: ففي العمل نبني الخطط، ونضع الأهداف، ونحدد الأولويات، ونقيس الأداء، ونتعلم من الأخطاء، أما في حياتنا الخاصة فكثيرًا ما نترك الأمور للظروف والصدف وردود الأفعال. نعرف ماذا سنفعل في العمل غدًا، وما هي الخطة، وما هي المهام والمسؤوليات، لكننا قد لا نعرف متى سنمنح أبناءنا وقتًا للحوار، أو كيف نحافظ على علاقاتنا مع العائلة، أو كيف نعتني بأنفسنا، وكأننا اقتنعنا بأن العمل يحتاج إلى إدارة، بينما الحياة يمكن أن تسير من تلقاء نفسها، مع أن الحياة، في حقيقتها، هي المشروع الأكبر الذي يحتاج إلى وعي وتخطيط وإدارة.

وهناك مقولة إدارية شائعة مفادها: «ما يمكن قياسه يمكن إدارته»، أي ما نستطيع قياسه بسهولة نعطيه اهتمامًا أكبر، وما يصعب قياسه قد نهمله رغم أهميته، فإن جودة الحياة لا ينبغي أن تُقاس فقط بما أنجزناه في العمل، وإنما أيضًا بما حافظنا عليه خارج العمل.

3- العوامل المؤسسية والاقتصادية: فكثير من الناس لا يختارون العمل على حساب صحتهم وأسرهم، بل يُدفعون إلى ذلك بسبب ضغوط المعيشة الاقتصادية، والخوف من الفصل، وبسبب ثقافة بعض المؤسسات التي لا تحترم القوانين والحدود الشخصية للإنسان، كأن تكون ساعات العمل طويلة ومرهقة، والمنافسة قاسية وشديدة، والأمان الوظيفي هشًّا وضعيفًا، ولهذا فإن إصلاح العلاقة بين العمل والحياة لا يحتاج إلى الوعي الفردي فقط، بل إلى بيئة عمل عادلة، وقوانين منصفة تحمي الوقت والراحة، وثقافة لا تقدّس الإنتاج على حساب الإنسان.

حين يصبح العمل وسيلة… لا غاية

وإذا كانت هذه الأسباب تفسر جانبًا من اختلال العلاقة بين العمل والحياة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نُعيد العمل إلى مكانه الطبيعي بوصفه وسيلة للحياة، لا بديلًا عنها؟

وهنا تتضح دلالة المقولة الشائعة التي تقول: «العمر ينقضي والعمل لا ينتهي»، فالعمر الذي يمضي لا يمكن استعادته، والسنوات التي نستهلكها في العمل لا يمكن تعويضها، وقد عبّر الشاعر أحمد شوقي في القصيدة الرثائية عن هذا المعنى بقوله: «دقات قلب المرء قائلة له: إن الحياة دقائق وثوانِ، فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها، فالذكر للإنسان عمر ثانِ»، أما العمل فلا يتوقف ولا ينتهي، فدائمًا هناك مهمة جديدة، ومشروع جديد، ورسالة يمكن الرد عليها، وتقرير يمكن مراجعته، ومشكلة يمكن حلها، واجتماع يمكن حضوره، وموعد آخر ينتظرنا إلى ما لا نهاية…

وهنا، لا تكمن الحكمة في أن نتوقف عن العمل، ولا أن نتخلى عن الطموح أو عن الإنجاز، وإنما أن ندرك أن المهنة وسيلة لبناء الحياة، وليس بديلًا عنها، وتشير دراسة مشتركة لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية إلى أن العمل 55 ساعة أو أكثر أسبوعيًا ارتبط بنحو 745 ألف وفاة عام 2016 م بسبب السكتة الدماغية وأمراض القلب، وهي إشارة واضحة إلى أن العمل حين يتجاوز حدوده قد يتحول من وسيلة للنجاح إلى كلفة ندفعها من صحتنا وحياتنا.

كيف ننجح في العمل… دون أن نخسر الحياة

ولكي نجيب على هذا السؤال، لا بد أولًا من الإقرار بأن معادلة «الفوز في العمل يعني الخسارة في الحياة» ليست حقيقة مطلقة، فالنجاح المهني لا يستلزم بالضرورة الإخفاق في الحياة الشخصية، بل يستطيع الإنسان أن يحقق التوازن بين عمله وأسرته ومجتمعه إذا أحسن إدارة حياته بوعي وحكمة.

وهنا تبرز أهمية الانتقال من مجرد الحديث عن التوازن كفكرة إلى إدارة الحياة بوعي ومسؤولية، وهو ما تحدثت عنه الآيات القرآنية، كقول الله تعالى: ﴿وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، وفي النصوص الدينية الكثيرة، ولعل من أجمل ما يُعبر عن هذا المعنى، بعد قول الله تعالى، ما قاله الرسول الأعظم ﷺ وصحبه الميامين لسلمان: «إن لربّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلّ ذي حقّ حقَّه»، وكذلك ما نقلته كُتب تجارب النجاح وتطوير الذات، ومنها ما يرتبط بمبادئ ستيفن كوفي وما تطرحه بعض التجارب العربية المعاصرة في صناعة النجاح، إذ يمكن النظر إلى هذه المعضلة من خلال أربع ركائز أساسية:

الأولى: إعادة تعريف النجاح: من «الإنجاز» إلى «الحياة المتكاملة»: فالواقعية تقتضي الاعتراف بأن الترقية والمال والمنصب والشهادات والمكانة الاجتماعية ليست دليلًا كافيًا على النجاح، فقد يمتلك الإنسان كل هذه الأشياء، ثم يكتشف بعد سنوات أنه خسر صحته، أو ابتعد عن أسرته، أو فقد علاقاته، أو عاش تحت ضغط دائم أفقده متعة ما حققه.

ولهذا، لا بد أن نُفرّق بين النجاح الظاهري، وهو أن تصل إلى ما يراه الناس نجاحًا من منصب ودخل ومكانة، وبين النجاح الحقيقي المتكامل، وهو أن تصل إلى أهدافك دون أن تفقد نفسك في الطريق، وأن تستطيع الاستمتاع بما حققته دون أن تدفع ثمنه من صحتك أو علاقاتك، وأن يكون لما أنجزته معنى في حياتك، لا مجرد أرقام تُضاف إلى سيرتك الذاتية، فالنجاح ليس فقط أن تصل إلى القمة، وإنما أن تجد عند وصولك إليها حياة تستحق أن تعيشها.

الثانية: إدارة الأولويات «التوازن ليس توزيعًا للوقت»: فكثيرًا ما نتحدث عن التوازن وعن الانسجام بين الوظيفة والحياة، وكأن المطلوب هو أن نقسم اليوم إلى أجزاء متساوية: ساعات للعمل، وساعات للأسرة، وساعات للصحة، وساعات للراحة… لكن الحياة لا تعمل بهذه الآلية الحسابية البسيطة، وإنما أن نعطي لكل جانب ما يحتاج إليه في الوقت المناسب.

وهذا ما أشار إليه أحد النماذج الشائعة في مجال تطوير الذات، وهو نموذج «عجلة التوازن» الذي يقوم على النظر إلى الحياة بوصفها مجموعة من المجالات المترابطة مثل العمل، والأسرة، والصحة، والعلاقات الاجتماعية، والجانب الروحي، والنمو الشخصي، والمال، والترقية، تمامًا كالمركبة التي تسير على عجلات متوازنة، فإذا اختلت إحدى هذه العجلات انعكس أثرها على جسم المركبة، وأصبحت رحلة الإنسان في الحياة أكثر صعوبة واضطرابًا.

الثالثة: إدارة الطاقة وحماية الإنسان من الاحتراق: قد نعرف كيف ندير وقتنا، وكيف نحدد أولوياتنا، وكيف نحقق أهدافنا، لكن ذلك كله لا يكفي إذا لم نتعلم كيف ندير طاقتنا الإنسانية، فالإنسان لا يعمل بالوقت وحده، وإنما يعمل بطاقة جسدية ونفسية وعاطفية وذهنية، وهذه الطاقة ليست بلا حدود.

ومن هنا تظهر ظاهرة «الاحتراق الوظيفي»، وهي حالة تنشأ عن التعرض المستمر لضغوط العمل دون قدرة كافية على التعافي، فتظهر في صورة إرهاق واستنزاف وفقدان للحماس، وقد تمتد آثارها إلى طريقة تعامل الإنسان مع عمله ومع الأشخاص من حوله.

الرابعة: إدارة الزمن وصناعة الحياة: أن نعيش قبل أن يفوت الوقت: ففي النهاية، هناك مورد واحد لا يستطيع الإنسان تعويضه مهما امتلك من مال أو منصب أو نجاح، وهو العمر، ومن هنا تصبح إدارة الزمن إدارة للحياة نفسها، لا مجرد تنظيم لساعات اليوم.

وفي الختام، يمكن أن نقول إن النجاح الحقيقي ليس أن ننجح في العمل، ونخسر الحياة، ولا أن نختار بين الطموح والأسرة، أو بين الإنجاز والصحة، وإنما أن نتعلم كيف نُحسن إدارة الجميع معًا، فالعمل وسيلة نبني بها حياة أفضل، وليس غاية نستهلك من أجلها أعمارنا، والحياة ليست مشروعًا ننجزه، بل رحلة نعيشها… فلنعيشها بوعي.