كشافة رسل السلام.. مسيرة عطاء متجددة

الكشفية مدرسة تربوية متكاملة، تغرس في الشباب الانضباط والتعاون وتحمل المسؤولية، وتنمي روح القيادة والانتماء وخدمة المجتمع. وتقدم تجربة كشافة رسل السلام بنادي النور بسنابس، في محافظة القطيف، مثالًا على استمرارية العمل الكشفي وانتقاله بين أجيال متعاقبة من القادة والكشافين. ولعل ما يستحق التوقف عنده في هذه التجربة ليس عدد الأنشطة والمشاركات بقدر ما هو قدرتها على الاستمرار، والمحافظة على رسالتها، ونقل خبراتها من جيل إلى آخر.
ومن التأسيس إلى الاستمرارية، بدأت اللبنات الأولى للفرقة على يد الدكتور جميل الخيري، الذي سبق أن عُيّن عضوًا في مجلس الشورى في إحدى دوراته، ثم واصل المسيرة القائد الراحل برير العبندي - رحمه الله - حتى عام 1404 هـ. وبعد ذلك تسلّم المفوض الكشفي علي بن محمد العبندي قيادة الفرقة، واستمر في قيادتها حتى اليوم. وهذا الامتداد الزمني يطرح جانبًا مهمًا في العمل التطوعي، يتمثل في أن نجاح المبادرات لا يقاس بانطلاقتها وحدها، وإنما بقدرتها على بناء ذاكرة مؤسسية تحفظ التجربة وتتيح تطويرها واستمرارها.
وخلال مسيرته الكشفية، تولّى العبندي عددًا من المسؤوليات، من بينها قيادة مفوضية قطاع القطيف الكشفية لمدة 27 عامًا، والمشاركة في مخيم خدمة ضيوف الرحمن لمدة 18 عامًا، وقيادة مخيمات المملكة في نادي النور، ومخيمات وزارة الرياضة في الطائف وأبها، إلى جانب قيادة دورات تأهيلية كشفية وعضوية لجان تطوير في جمعية الكشافة العربية السعودية، وتولّي منصب المدير الإقليمي للدول العربية لسفراء رسل السلام الكشفي العالمي. غير أن أهمية هذه الخبرات لا تتوقف عند المناصب أو سنوات المشاركة، وإنما في انعكاسها على تأهيل الكشافين وإعداد قيادات جديدة قادرة على تحمّل المسؤولية واستكمال المسيرة.
ولم يقتصر نشاط الفريق على المعسكرات، بل امتد حضوره إلى عدد من الفعاليات الوطنية والمجتمعية في المنطقة الشرقية، من بينها فعالية بستان قصر تاروت في رمضان، وبطولة المملكة للكرة الطائرة الشاطئية بشاطئ الرملة البيضاء، وفعالية اللوز القطيفي، إلى جانب زيارات تراثية، منها زيارة مصنع الفخار، ومبادرات بيئية وتوعوية مختلفة. وهنا تتجاوز الكشفية مفهوم النشاط الداخلي، لتصبح وسيلة لربط الشباب بمجتمعهم وبيئتهم وتراثهم، وإكسابهم خبرة عملية لا توفرها البرامج النظرية وحدها.
كما استفاد الفريق من التقنية في تنظيم أنشطة افتراضية للأشبال والفتيان، واستخدام المنصات الرقمية في توثيق أنشطته وأعماله التطوعية، بما يعكس قدرة العمل الكشفي على تطوير أدواته والتفاعل مع الوسائل الحديثة. وهذه المرونة ضرورية لاستمرار أي نشاط شبابي؛ فالمحافظة على القيم لا تعني الجمود في الوسائل، بل القدرة على تقديمها بأدوات تناسب الأجيال الجديدة.
ويمثل الاهتمام بدمج الأشخاص ذوي الإعاقة في الأنشطة الكشفية جانبًا إنسانيًا مهمًا في التجربة، يؤكد أن العمل الكشفي يمكن أن يكون مساحة للمشاركة المجتمعية الواسعة. وظهر هذا الجانب أيضًا في حملة إفطار صائم، التي شارك خلالها الكشافون في توزيع آلاف الوجبات في سنابس والبلدات المجاورة، إلى جانب بناء شراكات مع جمعيات خيرية، منها جمعية تاروت وجمعية البر بسنابس. فالعمل التطوعي يكتسب قيمته الحقيقية حين يتحول من نشاط موسمي إلى ممارسة تربوية يتعلم من خلالها الشاب أن له دورًا ومسؤولية تجاه الآخرين.
وحظي الفريق وقائده بتكريم من عدد من الجهات تقديرًا لمشاركاتهما في الأعمال الكشفية والمجتمعية. ومع أهمية التكريم بوصفه تقديرًا للجهد، تبقى الثمرة الأهم لأي تجربة كشفية في الكشاف نفسه: ما الذي تعلمه؟ وما المسؤوليات التي أصبح قادرًا على حملها؟ وهل يستطيع يومًا أن يتسلّم الراية ممن سبقه ويسلمها لمن يأتي بعده؟
إن تجربة كشافة رسل السلام بنادي النور، وما وفرته إدارة النادي من بيئة حاضنة لها، تقدم نموذجًا لاستمرارية العمل التطوعي وانتقال الخبرة والمسؤولية بين الأجيال. فالقيمة الحقيقية لمثل هذه التجارب لا تكمن في عدد الأنشطة وحده، وإنما في قدرتها على إعداد جيل يتعلم المسؤولية والعمل الجماعي وخدمة مجتمعه. ولعل التحدي الأهم أمام مثل هذه التجارب اليوم هو تحويل تراكم السنوات والخبرات إلى قاعدة تصنع مزيدًا من القيادات الشابة، حتى لا ترتبط استمرارية العمل بأشخاص بعينهم، بل بمنهج قادر على تجديد نفسه وصناعة من يحمل الراية من جيل إلى جيل.
وهنا تكمن قيمة الكشفية: أن يبقى الأثر بعد انتهاء النشاط، وأن تتحول الخبرة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى عطاء متجدد، وخدمة الوطن والمجتمع إلى قيمة يحملها جيل ويسلّمها إلى الجيل الذي يليه، راجيًا الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى.






















