جدتي أصبحت تنسى أسماءنا

هكذا باغتتنا الحقيقة ذات يوم.
أصيبت جدتي بمرض ألزهايمر، وبدأت ذاكرتها تنسحب منها شيئًا فشيئًا. صار ما حولها غريبًا، وتاهت منها ملامح الوجوه التي طالما أحبتها وحفظتها. وحتى حين كنا نعرّفها بأنفسنا، كانت تنظر إلينا طويلًا، كأنها تبحث في مكان بعيد داخل ذاكرتها عن أسمائنا ومكانتنا، فلا تسعفها الذاكرة.
كانت تعيد الكلام وتكرره، ولكن ما أجمل ذلك الكلام حين يخرج من فمها، وما أعذب ذلك الصوت الذي ألفناه وأحببناه!
كنا نتعامل معها كما عرفناها دائمًا. لم نشعرها يومًا بأنها نسيت، ولم نواجهها بعجز ذاكرتها عن استعادة الأسماء والأشخاص والأشياء. أحطناها بالهدوء والمحبة؛ فهي التي كانت لنا يومًا الأمان، وكان أقل ما نستطيع أن نقدمه لها أن نكون نحن أمانها حين بدأت الأشياء من حولها تتلاشى.
لم تعد تشعر بالمكان والزمان كما كانت، ولم تعد تسمعني بوضوح حين أحدثها أو أهمس في أذنها باسمها. كنت أقترب منها وأقول:
آهٍ يا جدتي، كم أحبك.
فتضحك كلما سمعت اسمها. وحين أكرر في أذنها: «أحبك يا جدتي»، تفرح كأنها تسمعها للمرة الأولى، وتقول لي بصوتها الحنون:
«وأنا أيضًا أحبك كثيرًا يا ولدي».
كانت تلك الكلمات تكفيني.
ومع مرور الأيام، لم تعد عيناها تريان الوجوه بوضوح كما في السابق، وأصبحت حركتها بطيئة، ولم تعد تستطيع الوقوف إلا بمساعدة الآخرين. كنت أراها أمامي، وأرى معها عمرًا كاملًا يمضي، وأتساءل: كيف تستطيع السنوات أن تفعل بنا كل هذا؟
آه يا جدتي…
ما أسرع هذا العمر الذي مضى بك، وما أقساه حين لم يشبعني من فيض حنانك. جاء المرض إلى جسدك الضعيف، واشتد عليك سريعًا، ولم يمهلك سوى بضعة أشهر، ثم أخذك منا، وترك في قلوبنا مساحة من الألم لا تزال تحمل اسمك.
كم كانت تغمرني السعادة حين آتي لزيارتك، أو حين تأتين لزيارتنا. كان قلبي يفرح بمجرد رؤيتك، فأدنو منك، وأقبّل يديك وجبينك، وأحمد الله سرًّا على وجودك في حياتي.
كان قلبك الأبيض يفيض حبًا وحياة؛ قلبًا عظيمًا يتسع للجميع، لا يفرّق بين أحد، ولا يضيق بأحد.
وكلما عدت إلى طفولتي، وجدتك هناك.
أولى ذكرياتي وأجملها تبدأ من حقيبتك؛ تلك الحقيبة التي كانت، في عيني طفل صغير، أول «سوبرماركت» عرفه في حياته، وأجمله على الإطلاق.
كنت أراقب يدك وهي تمتد إلى داخلها، منتظرًا المفاجأة الصغيرة التي ستخرج منها: قطعة شوكولاتة، أو علكة بنكهة النعناع تفوح رائحتها في المكان. أشياء بسيطة في أعين الكبار، لكنها بالنسبة إلى طفل كانت كنوزًا لا تُقدّر بثمن.
ولم تكن الحلوى وحدها هي التي تسعدني؛ بل اليد التي تقدمها، والابتسامة التي ترافقها، والحب الذي كنت أشعر به قبل أن أتذوقها.
تلك اللحظات لا تُعوّض بثمن؛ فقد كانت فرحة الروح في طفولة بريئة.
آه يا جدتي…
كنتِ أيضًا خط دفاعي الأول. تقفين إلى جانبي حتى حين أخطئ، ثم تنفردين بي لتصححي خطئي بحكمة ورفق. كنتِ المدافعة والمرشدة والحكيمة، وكنتِ قاضية العائلة التي لا تحتاج إلى محكمة، ودائرة الإصلاح التي يلجأ إليها الجميع حين تختلف القلوب.
كان لك حضور يجمع ولا يفرّق، ويصلح ولا يفسد.
وما زلت أراك في ذاكرتي صاحبة الابتسامة الرقيقة، والحديث الجميل الذي لا يُمل، وأرى ورد الرازقي يتدلى من جدائل شعرك الأبيض كالثلج، فتعود إليّ رائحته كأن السنوات لم تمضِ.
وما زلت أسمع صوتك الحنون.
ذلك الصوت الذي كنت لا أنام إلا عليه حين تبدئين «الحزاوي»، وتتهيئين لفتح أبواب عالم آخر أمام طفل ينتظر الحكاية:
«باسم الله نبتدي، وبالإيمان إن شاء الله نهتدي، السوالف تروح وتجي، حتى اتصلوا على النبي، ويا سامعين النظام، صلوا على البدر التمام، أسولف لكم خيرًا لفانا ولفاكم، وشرًا تعدانا وتعداكم… كان يا ما كان، في سالف العصر والزمان».
ثم تبدأ الرحلة…
«أبو البنات السبع وأبو الصبيان السبعة»، و«الحصان المسحور»، و«الأصدقاء»، و«ليلى والذئب»، وغيرها من الحزاوي الشعبية التي كنت أستقبلها بفرح لا يعرفه إلا طفل ينتظر من جدته أن تكمل الحكاية.
لم تكن الحكايات وحدها جميلة؛ كان صوتك هو الحكاية الأجمل.
صوتك الذي كان يثلج صدري، ويتسلل إلى قلبي فيملؤه طمأنينة، ويجعلني أشعر بأن العالم، مهما اتسع، لا يزال مكانًا آمنًا ما دمتِ قريبة مني.
آه يا جدتي…
كم أشتاق إلى ذلك الصوت الذي كان يسكب الهدوء في الروح، ويزرع الراحة في النفس.
أين أنت الآن؟
كم أتعبتني الحياة بعد رحيلك عن هذه الدنيا، وكم تغيرت أشياء كثيرة منذ غبتِ. رحلتِ، وتوارى جسدك الطاهر تحت الثرى، وضم القبر قلبًا كان من أطيب القلوب وأحنّها. غابت عن عيني أغلى إنسانة، لكنك لم تغيبي عن ذاكرتي.
لقد بدأت حكايتي معك حين أخذ المرض ذاكرتك، وانتهت وأنا أتشبث بذاكرتي كي لا يأخذ الزمن شيئًا منك.
كنتِ تنسين أسماءنا، أما نحن فلم ننسك.
كنتِ تنسين الوجوه، وبقي وجهك حاضرًا فينا.
وكانت الأيام تمحو من ذاكرتك تفاصيل الحياة، بينما كانت تكتب تفاصيلك في ذاكرتنا بصورة أعمق.
واليوم، حين أستعيد تلك السنوات، أدرك أن الإنسان قد ينسى الأسماء والأماكن والأحداث، لكن الحب يترك أثرًا لا تمحوه الذاكرة حين تضعف، ولا السنوات حين تمضي، ولا حتى الغياب حين يطول.
آهٍ يا جدتي…
يا أم أبي، ويا أم أمي، ويا أم الجميع.
كم أحبك، وكم أفتقدك، وكم أتمنى لو يعود بي العمر إلى لحظة صغيرة من تلك اللحظات؛ أراك فيها تفتحين حقيبتك، أو أشم رائحة الرازقي في شعرك، أو أجلس طفلًا إلى جوارك، أنتظر بداية إحدى حكاياتك.
رحمك الله يا جدتي رحمة واسعة، وجزاك عن كل حب منحتِنا إياه، وعن كل قلب جبرتِه، وعن كل بيت جمعتِ أهله، وعن كل طفل منحتِه الأمان.
رحم الله صوتًا لا يزال يسكن الذاكرة، ووجهًا لا يغيب عن القلب، ويدًا ما زلت أشعر بدفئها كلما مر طيف الطفولة في خاطري.
رحمك الله يا جدتي، وأسكنك فسيح جناته.
أما أنا…
فسأظل، كلما مر اسمك في خاطري، أردد الكلمات التي كنت أهمس بها في أذنك، وأنتظر بعدها ابتسامتك:
أحبك يا جدتي.












