الفردانية المتوحشة أزمة إنسانية «4»
بين استقلال الذات ومسؤولية التكافل

البعد الاجتماعي أحد معالم الشخصية الإنسانية، ومما لا شك فيه أنه يؤثر في الفرد من الناحية النفسية والوجدانية وهمته العالية في تحقيق أهدافه وتطلعاته. ولذا فإن الخطوط العريضة لهذا الجانب توازن بين حقوقه الشخصية - كالاحترام والتقدير لقناعاته وأفكاره وظروفه وتصرفاته الواقعة في بؤرة العقل الواعي - من جهة، والحقوق المجتمعية وتحمل مسؤولية التكافل والمساندة من جهة أخرى.
فالإنسان ليس جزيرة منفصلة عن محيطها كما يحلو للبعض أن يعبث بأحلامه الوردية البعيدة عن الواقع تماماً، بل هو عضو في شبكة مجتمعية واسعة من العلاقات والحقوق والواجبات مع مختلف طبقاته. ولذا نجد التوجيهات القرآنية الكريمة في الجانب المجتمعي تحدده بميزان الثقة والتكاتف وتقديم المساندة وإعلاء قيمة صنع المعروف؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة الآية 2].
وها هنا تظهر تلك المسافة الفاصلة بين مفهوم الفردانية الإنسانية كمفهوم جميل ومثمر في حياتنا، وبين مفهوم الفردانية المتوحشة كصورة للإنسان يتقوقع فيها ويتمركز حول ذاته ولا يرى غيرها.
الأولى ”الفردانية الإنسانية“: تمنح الإنسان وعياً بذاته وكرامته ومسؤوليته من خلال الموازنة بين الاستقلال والعطاء.
الأخرى ”الفردانية المتوحشة“: تحول الذات إلى مركز نهائي تُقاس به كل القيم والعلاقات والمصالح التي يؤمن بها، فيصبح الفرد كآلة لا تتحرك خطوة إلا مع ضمانة بوجود منفعة ذاتية يتحصل عليها، كما أنه يمتنع عن مد يد العطاء والمساندة في وسط ركام المعاناة البشرية، ويصم أذنيه عن استماع أنات وآهات المتوجعين وكأنه في عالم آخر.
وهذا التفريق بين الفردانية الإنسانية والفردانية المتوحشة يتجلى في العلاقات الاجتماعية والنظر إلى الآخر؛ حيث يغدو المنافس شرساً لا يقبل الهزيمة أو التأخر عنه بدرجة في أي جانب علمي أو مهني أو غيره، أو يصبح عبئاً يتحمل مسؤولية مساندته وتقديم حصة من وقته وجهده للغير، وذلك لأن منفعته الذاتية في زاوية أخرى عنهما، فيتخلى عن كل القيم الإنسانية النبيلة في الوعي العقلي في وجودهما أو التعامل معهما.
إن القيم الإسلامية العالية للعبادات نجد لها وجوداً في الجانب الاجتماعي في تشريعها ومقاصدها؛ فصلاة الجماعة تهدف إلى تكوين وتقوية العلاقات الاجتماعية في إطار الاحترام والعطاء، كما أن الزكاة اقترنت بمفهوم التكافل الاجتماعي ومساندة المحتاجين في توفير مستلزمات الحياة الكريمة، وهكذا نجد أن بقية العبادات ترتبط بالإحسان والتقوى برعاية حقوق الناس.
وهذا التوازن بين الاستقلال والحرية المنضبطة من جهة، والمشاركة الوجدانية والعطاء من جهة أخرى، يصنع شخصية تعمل جاهدة على تحقيق تطلعاتها مع القيام بالمهام الاجتماعية التي تشكل جزءاً من سر ارتياحها النفسي وسعادتها. فبناء الشخصية المستقلة لا يعني بناء شخصية أنانية تتغافل عن أصوات المناشدة للمساعدة، كما أن الانتماء الواعي والفاعل إلى الجماعة لا يعني إلغاء العقل والإرادة.
فالاستقلال الحقيقي هو أن يمتلك الإنسان القدرة على الاختيار واتخاذ القرار المناسب، ثم يمتلك الشجاعة الأخلاقية لتحمل تبعات اختياره وتنفيذها على أرض الواقع. كما أن الحرية الناضجة ليست أن يقول الإنسان: ”أفعل ما أشاء“ دون نظر في عواقبها وتبعاتها عليه أو على الآخرين بإلحاق الضرر، وإنما أن يسأل نفسه عما ينبغي أن يفعله وآثاره عليه وعلى الآخرين.












