الحياة ذات التهكير... حين يكون الإنسان هو الثغرة!

«السلام عليكم... أنا خارج البيت ونسيت المحفظة، ومحتاج أشتري بعض الأغراض، إذا ممكن تصوّر البطاقة من الأمام والخلف، أنا في الخارج، سريع».
لا شك أن كثيرين مرّت عليهم رسائل من هذا النوع بصور وأساليب مختلفة. ومع أنها أصبحت شائعة جدًا، والتحذيرات من التجاوب معها منتشرة في كل مكان، فإن البعض لا يزال يقع في مثل هذه الفخاخ!
واللافت أن بعض الذين ينشرون التحذيرات من الاحتيال - وبعض تلك التحذيرات غير دقيقة أصلًا - قد يقعون هم أنفسهم ضحايا له.
والسبب أن المحتالين لا يعتمدون دائمًا على اختراق الأنظمة والثغرات التقنية، بل كثيرًا ما يعتمدون على الثغرة البشرية، وهو ما يعرف في أمن المعلومات ب«الهندسة الاجتماعية»: أن يقنعك المحتال بأن تمنحه بنفسك ما يحتاج إليه.
فقد ينتحل شخصية موظف رسمي أو صاحب سلطة، مستخدمًا التخويف والتهديد، أو يتقمص شخصية فتاة تستدر العطف والمشاعر، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا بطلب المال أو المعلومات الشخصية والسرية، حتى يجد الضحية نفسه وقد سلّم للمحتال ما لم يكن يتصور يومًا أنه سيعطيه لأحد.
المشكلة لا تقف عند هذا الحد؛ فبعض من يتعرضون للاحتيال لا يروون ما حدث كاملًا، ربما خجلًا من الاعتراف بأنهم تجاوبوا مع المحتال رغم كثرة التحذيرات.
فيقول أحدهم مثلًا:
«أنا ما أعطيته شيء، بس ضغطت على رابط وانسرق حسابي بالراجحي!».
قد يكون قد ضغط على الرابط فعلًا، لكن السؤال الأهم: ماذا حدث بعد الضغط عليه؟
في كثير من حالات التصيد، لا تكفي زيارة الرابط وحدها للاستيلاء على الحساب، بل تُستكمل العملية بإدخال بيانات الدخول أو رمز التحقق أو الموافقة على طلب يصل إلى الهاتف. ولذلك فإن معرفة تفاصيل ما حدث كاملة أهم من الاكتفاء بالقول: «ضغطت الرابط وانسرق الحساب».
والأغرب أن البعض قد يعرض رابطًا لموقع رسمي، ويرفق معه رسالة صوتية تحذّر من أنه «الرابط الذي يسرق الحساب»!
ومع أن بعض المحتالين يتبعون أساليب ساذجة جدًا ومكشوفة، وللأسف يجدون من يقع ضحية لها، فإن آخرين أكثر احترافًا، يستخدمون لغة رسمية ونبرة جادة، ويعتمدون على التخويف والاستعجال للحصول على بيانات الضحية بحجة «تحديث البيانات» أو «حماية الحساب».
ولا بأس هنا باستعراض بعض النماذج التي مرّت بي أو بأشخاص قريبين مني.
- ألو؟
- ألو، معك الموظف «...» من قسم الحسابات البنكية ومكافحة الجرائم الإلكترونية، بارك الله فيك.
- نعم، آمر.
- أخويا، هناك استخدام لرقم جوالك في تطبيقات غير نظامية خارج المملكة. هل لديك معرفة بالشخص المدعو محمد عبدالله «...»؟ لأنه يستخدم رقمك بطريقة غير نظامية، هل لك علاقة به؟
- لا، ما أعرفه.
- هل تستخدم تطبيق مباشر أونلاين على جوالك؟
- لا.
- طيب جهّز رقم الهوية وخلك على الخط... أعطني رقم هويتك الله يسلمك.
- وليش أعطيك رقم هويتي؟ أنت ما تعرفه؟
- أخويا، لازم أتأكد منك الله يسلمك.
- ما يحتاج. أعطني آخر أربعة أرقام من هويتي وأنا أقول لك صح أو لا.
لحظة صمت استمرت نحو خمس ثوانٍ.
- يا أخي، هناك عمليات اختراق لجميع حساباتك البنكية!
- ما عليه، أعطني آخر أربعة أرقام من هويتي وأنا أقول لك صحيحة أو لا... ألو؟
- طوط... طوط... طوط!
النتيجة: محاولة احتيال فاشلة، ولله الحمد.
وهذه الواقعة تعرض لها أحد أفراد عائلتي.
- ألو، معك شركة «...» للاتصالات. عندك فاتورة مستحقة ونبغى نعمل لها تأكيد. بيجيك كود على جوالك، أعطني إياه.
- لحظة... 2.5,8.2.
وبمجرد إعطائه الرمز، تمكن المحتال من الدخول إلى الحساب في التطبيق الرسمي للشركة، ثم أضاف باقة بسعة 300 جيجابايت بقيمة 450 ريالًا إلى الفاتورة القادمة.
وصلت رسالة لصاحب الرقم تفيد بنجاح الاشتراك، ثم بدأت أرقام أخرى في الاتصال به، وعلى ما يبدو أن محاولة الاحتيال كانت ستستمر إلى مراحل أخرى.
النتيجة: نجحت المرحلة الأولى من عملية الاحتيال، ولحسن الحظ لم تكتمل بقية المراحل، ولا أعلم ماذا كان المحتال يخطط له بعد ذلك.
وعندما تواصلت مع الشركة، واجهنا في البداية صعوبة في إلغاء الباقة، وقيل لنا إن علينا تسديد الفاتورة ثم الانتظار 90 يومًا دون استخدام الباقة لاسترداد المبلغ. وبعد تقديم شكوى عبر التطبيق، لم تُحل المشكلة أيضًا، بل طُلب منا في مرحلة ما التواصل مع شركة أخرى، وهو أمر لم أفهم علاقته بالمشكلة أصلًا.
وفي النهاية صُعّدت الشكوى إلى هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وتمت تسوية المبلغ وإلغاء الباقة دون أن ندفع شيئًا.
وهنا لا بد من التأكيد على أمر مهم: لا تستسلم عندما تكون متأكدًا من حقك، وصعّد شكواك عبر القنوات الرسمية إذا لم تُعالج بالشكل الصحيح.
هذه المرة، الضحية المفترضة كنت أنا.
وصلتني رسالة واتساب تقول:
«ألو، ياخوتي والله مستحية منكم، محتاجين بطانيات، موتني البرد أنا وعيالي، غفر الله لك ذنبك ويجعلك في جنة الفردوس».
فأجبتها:
«أين تعيشون؟ عندنا صيف الآن والحر شديد جدًا لدرجة القيظ... أنتم في أي قارة؟».
ولم يصلني جواب!
والغريب أن الرقم محلي، وكان يفترض أن صاحبة الرسالة تعاني معنا من الحر، لا من برد البطانيات!
لكنها لم تفقد الأمل.
بعد شهور وصلتني منها رسالة أخرى:
«أختكم محتاجة مصاريف أشتري لي أغراض وحاجات لشهر رمضان، جزاه الله الجنة ونعيمها وفديته بعيني وقلبي».
فأرسلت إليها سؤالًا بريئًا:
«كم باقي على رمضان؟ لأننا الآن في شهر ربيع الأول».
ومن بعدها...
تم حظر رقمي بنجاح!
علامَ زعلت؟ كان سؤالًا بريئًا جدًا!
يبدو أنها كانت تستعد لرمضان مبكرًا تجنبًا للزحام!
والأقرب عندي أن صاحب الرقم لم يكن تلك «الفتاة المسكينة» أصلًا، بل شخصًا ينسخ رسائل جاهزة ويرسلها في غير وقتها، من دون أن ينتبه حتى إلى الموسم الذي يتحدث عنه.
وفي النهاية، يسرني أن أقدم للقارئ الكريم هدية بسيطة قد تنفعه يومًا ما:
إذا وصلك شخص ينتحل شخصية قريب أو صديق، وقال لك:
«صوّر لي البطاقة البنكية من الأمام والخلف بسرعة»...
فلا تخيّب طلبه.
صوّر له هذه من الأمام والخلف:
«نعال حمام»... وأنتم بكرامة.













