آخر تحديث: 26 / 9 / 2026م - 8:50 م

الطفولة بين الفقه والقانون

بيان في أخلاق التشريع وكرامة الطفولة

علي البحراني *


ليس السؤال الحقيقي: ماذا قال الفقيه؟

ولا: ماذا نص القانون؟

بل السؤال الأعمق الذي يسبق الاثنين معًا: أي إنسان نريد أن نحمي؟

فالفقه حين يفقد الحس الإنساني وحاكمية الأخلاق يتحول إلى ألفاظ تدور حول نفسها، والقانون حين ينسى الكرامة يصبح آلة باردة تدير الوقائع دون أن تسمع أنين الضحايا. وبين النص والاجتهاد والتشريع، تقف الطفولة بوصفها أكثر مراحل العمر هشاشة، وأكثرها استحقاقًا للحماية.

الطفل ليس مشروعَ راشدٍ مؤجلًا، ولا إنسانًا ناقصًا ينتظر اكتماله، بل كائن كامل الكرامة في طور النمو، وكل مجتمع يُقاس تحضُّره بقدر ما يصون هذه المرحلة من العمر، لا بقدر ما يبرر اختراقها.

حين نعود إلى القرآن، لا ينبغي أن نبحث عن مخارج قانونية تبيح ما نشتهي، بل عن المقصد الأخلاقي الذي نزل الوحي من أجله؛ فالقرآن لم يقدم نفسه كتابًا للحيل الفقهية، وإنما كتابًا للهداية والعدل والرحمة.

يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: 58]

وليس من السهل تجاوز الدلالة الأخلاقية الكامنة في هذه الآية؛ فالحديث هنا ليس عن الفعل الجنسي ذاته، بل عن مجرد النظر واحترام الخصوصية، فإذا كانت الشريعة قد وضعت حدودًا للرؤية حمايةً للحياء النفسي، فكيف يمكن أن يكون ما هو أبعد من ذلك خارج دائرة الحماية الأخلاقية؟

إن ذكر الحُلُم في سياق الاستئذان ليس تفصيلًا عابرًا، بل إشارة إلى أن الإنسان قبل النضج يظل محتاجًا إلى مساحة من الرعاية تختلف عن مساحة التكليف الكامل.

ومن هنا تبدو آيات المعاشرة الزوجية أكثر عمقًا من أن تُختزل في عقد أو إجراء قانوني.

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]

ليست مجرد قاعدة تنظيمية، بل فلسفة أخلاقية كاملة.

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]

ليست حكمًا جزئيًّا، بل إعلانًا عن مبدأ التوازن الإنساني في العلاقة.

فالعلاقة الزوجية في القرآن ليست إباحة جسد لآخر، بل بناء سكن ومودة ورحمة. وكل علاقة تغيب عنها الإرادة الواعية المتكافئة ينقص فيها جوهر السكن وإن استوفت بعض الشروط الشكلية.

لقد اجتهد الفقهاء عبر القرون في فهم النصوص ضمن معطيات مجتمعاتهم، وكان الزواج المبكر ظاهرة عالمية عرفتها حضارات متعددة، من أوروبا إلى آسيا إلى العالم الإسلامي، ولم يكن الفقيه يعيش خارج عصره أو معارف زمانه؛ فالشيخ الطوسي والعلامة الحلي وغيرهما كانوا أبناء بيئات تاريخية محددة، اجتهدوا بما توفر لديهم من معطيات اجتماعية ومعرفية، وهذا لا ينتقص من مكانتهم العلمية، بل يؤكد الطبيعة البشرية للاجتهاد نفسه.

فالاجتهاد ليس وحيًا موازيًا للوحي.

إنه محاولة لفهم النص.

وكل محاولة بشرية تظل قابلة للمراجعة والتصويب والتطوير.

ولهذا فإن تجميد رأي فقهي نشأ في ظروف اجتماعية معينة وتحويله إلى حقيقة أبدية فوق النقد يخلط بين المقدس والبشري، وبين النص الثابت والفهم المتغير.

لقد كشفت العلوم الحديثة خلال العقود الأخيرة أن النضج الإنساني عملية معقدة تتجاوز مجرد البلوغ البيولوجي؛ فالدراسات العصبية تشير إلى أن مناطق اتخاذ القرار وتقدير العواقب في الدماغ تستمر في النمو حتى أواخر مرحلة المراهقة وبدايات العشرينيات. كما بيَّنت أبحاث علم النفس التنموي أن النضج العاطفي والاجتماعي لا يتحقق بمجرد ظهور العلامات الجسدية للبلوغ، بل يحتاج إلى تطورٍ معرفي وانفعالي طويلٍ نسبيًّا.

وقد أظهرت دراسات منشورة في دوريات محكمة مثل The Lancet وJournal of Adolescent Health أن الزواج المبكر يرتبط بارتفاع معدلات الانقطاع التعليمي والاضطرابات النفسية والمضاعفات الصحية، وضعف فرص الاستقلال الاقتصادي للفتيات مقارنة بمن يتزوجن بعد اكتمال مراحل النمو الأساسية.

وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحًا من السؤال الجدلي.

إذا ثبت وجود ضرر متوقع ومعتبر، فكيف يمكن تجاهل قاعدة ”لا ضرر ولا ضرار“ التي تُعدُّ من كبرى القواعد الحاكمة في الفقه الإسلامي؟

إن القاعدة ليست هامشًا يزاح عند الحاجة، بل أصل يُرجع إليه عند التعارض.

فالطفولة ليست مجرد قدرة جسدية محتملة، بل عالمًا كاملًا من التكوين النفسي والوجداني والمعرفي؛ هي ذاكرة تتشكل، وثقة بالنفس تتكون، وإرادة ما زالت تتعلم معنى الاختيار.

ولهذا فإن حماية الطفل ليست امتيازًا تمنحه المجتمعات الحديثة، بل واجب أخلاقي تفرضه إنسانية الإنسان قبل أي نص قانوني أو شرعي.

وفي الفكر الإمامي تحديدًا، لا توجد عصمة للفقهاء.

العصمة لأهلها وفق المبنى العقدي المعروف، أما الفقيه، فاجتهاده محل نظر ونقاش وأخذ ورد.

ومن هنا فإن مراجعة الآراء الفقهية ليست خروجًا على الدين، بل ممارسة طبيعية داخل بنية الاجتهاد نفسها.

إن الفقه الحي لا يخاف السؤال، ولا يرى في النقد تهديدًا، بل يعدّه شرطًا لاستمرار الحيوية الفكرية.

أما تحويل الرأي الفقهي إلى منطقة محرمة على المراجعة؛ فليس دفاعًا عن الدين بقدر ما هو دفاع عن بشرية الفهم.

ولعل أعظم ما يهدد المجتمعات ليس الخطأ ذاته، بل الإصرار على تقديسه بعد انكشاف آثاره.

إن الدين الذي وُصفت رسالته بأنها رحمة للعالمين لا يمكن أن يفهم على نحو ينتهي إلى انتقاص الكرامة أو إهدار الطفولة أو تبرير الأذى النفسي والجسدي. وكل قراءة تؤدي إلى ذلك تستحق أن تُراجَع في ضوء المقاصد الكبرى للعدل والرحمة وصيانة الإنسان.

فالغاية ليست إسقاط فقيه، ولا الانتصار لمذهب، ولا تسجيل نقطة في جدل عابر.

الغاية أن يبقى الإنسان في مركز التشريع.

أن تبقى الطفولة منطقة آمنة، لا ساحة تأويل.

أن يظل الطفل طفلًا حتى يكتمل وعيه وتستقيم إرادته ويصبح قادرًا على حمل مسؤولية اختياراته.

وحين تتعارض هيبة الرأي مع كرامة الإنسان، فإن كرامة الإنسان أولى.

وحين يتزاحم الجدل مع الرحمة، فإن الرحمة أولى. وحين يوضع النص في ميزان العدل الذي نزل من أجله، يعود مشرقًا كما نزل أول مرة، نورًا للناس لا عبئًا عليهم، ورحمةً لهم لا ذريعة للإضرار بهم.