آخر تحديث: 25 / 9 / 2026م - 8:33 م

مؤبنًا المرجع الزنجاني: فقاهة تعتمد التدقيق العلمي وأبوة تتسع للجميع

الشيخ الصفار: من تجليات الحكمة استشعار المسؤولية والتفكير قبل الكلام

جهات الإخبارية

قال الشيخ حسن الصفار: إن من أبرز مظاهر الحكمة في شخصية الإنسان انضباطه في الكلام والتزامه بالقول السديد، داعيًا لاعتماد الحكمة في الحديث والتخاطب مع الآخرين.

وتابع: إن الكلمة ليست مجرد صوت عابر، بل مسؤولية قد تبني علاقة أو تهدمها، وتفتح أبواب الخير أو توقع صاحبها في الندم.

جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: قولوا قولًا سديدًا.

وأوضح الشيخ الصفار أن الكلام يمثل أبرز وسائل التواصل الإنساني، فمن خلاله يعبّر الإنسان عن أفكاره ومشاعره، ويتعرف الآخرون على شخصيته.

وتابع: إن طريقة الإنسان في الحديث تؤثر بصورة مباشرة في علاقاته الاجتماعية، إذ يمكن للكلمة الطيبة أن تكسبه المحبة والثقة، كما قد تؤدي الكلمة الجارحة أو المستفزة إلى النفور والعداوة.

وأضاف: إن استقامة اللسان انعكاس لاستقامة القلب والإيمان والسلوك.

ولفت إلى أن النبي ﷺ كان يتلو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ في خطاباته للمسلمين، لما تحمله من توجيه بالغ الأهمية في تهذيب القول والسلوك.

وعن الضوابط لنهج الحكمة في الكلام، قال: إن استشعار المسؤولية هي أول هذه الضوابط، مبينًا أن سهولة الكلام وأنه لا يكلف جهدًا أو مالًا قد يدفع بعض الناس إلى إطلاق ألسنتهم بلا حساب، فيقعون في أخطاء قد يدفعون ثمنها لاحقًا.

وأشار إلى أن المسؤولية عن الكلام تزداد في العصر الحديث مع اتساع وسائل نقل الكلمات والصور والآراء، وسرعة انتشارها عبر المنصات الرقمية، مؤكدًا أن الإنسان يتحمل تبعات ما يقوله أو يكتبه حتى لو استخدم اسمًا مستعارًا أو حاول إخفاء هويته أو تغيير صوته باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وعن الضابط الثاني قال سماحته: إنها التأني والتفكير قبل الكلام، فعلى الإنسان ألا يستجيب لانفعاله أو هواه مباشرة، بل أن يعرض ما يريد قوله على عقله، ويتأمل في نتائجه وتوقيته ومناسبته للمقام.

واستشهد بما ورد عن أمير المؤمنين علي : ”لا تَقُلْ ما لا تَعْلَمُ، بل لا تَقُلْ كلَّ ما تَعْلَمُ“، موضحًا أن صحة المعلومة وحدها لا تعني بالضرورة صلاحية طرحها في كل وقت ومكان، فقد يكون الكلام صحيحًا، لكن توقيته أو أسلوبه أو الجهة التي يوجّه إليها غير مناسب.

وأبان أن الضابط الثالث هو اختيار القول الأحسن، مؤكدًا ضرورة انتقاء أجمل الكلمات وأفضل العبارات، والابتعاد عن اللغة الهابطة والأساليب المستفزة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ .

ومضى يقول: إن الكلمة الحكيمة لا تعني قول كل ما يعرفه الإنسان، وإنما معرفة ما ينبغي قوله، ومتى وكيف ولمن يقال.

وحذّر من أن الكلام الصادر تحت تأثير الغضب أو الانفعال أو الرغبة في الإيذاء قد يضر بمصالح الإنسان وعلاقاته، فضلًا عن مسؤوليته الدينية والأخلاقية.

وأشار إلى أن سلامة العلاقات الإنسانية تبدأ من لغة التخاطب، وأن الإنسان الحكيم لا يطلق لسانه وقلمه بلا ضابط، بل يحسب أثر كلماته، ويراعي حدود الله وحقوق الناس، ويحرص على أن يكون كلامه سديدًا، جميلًا، ومصلحًا لا مفسدًا.

تأبين المرجع الزنجاني

وفي الخطبة الثانية نعى سماحة الشيخ حسن الصفار المرجع الديني والمحقق الفقيه السيد موسى الزنجاني، الذي فقدته الحوزة العلمية يوم الاثنين الماضي عن عمر ناهز المئة عام.

وأشاد بمكانة الفقيد العلمية، متوقفًا عند ميزتين بارزتين في شخصيته، الأولى منهجه العلمي في التدقيق والتحقيق، ولا سيما في علمي الدراية والرواية، حيث لم يكن يكتفي بنقل آراء علماء الرجال والتراجم، بل كان يتعامل مع مسائل التوثيق والتضعيف بمنهج نقدي مستقل، يقيم عليه الأدلة والبراهين.

ونقل الشيخ الصفار عن المرجع الشيخ جعفر السبحاني وصفه للراحل بأنه كان ”صاحب مبنى ومذهب مستقل في علم الرجال“، يحدد أسباب توثيق الراوي أو عدم وثاقته، ويقيم الدليل على ذلك، مشيرًا إلى عمقه وتبحره في هذا المجال.

وأبان الشيخ الصفار أن هذا المنهج العلمي الدقيق أفضى إلى رفض السيد الزنجاني عددًا من الروايات المتداولة، لاعتقاده أنها موضوعة من قبل الغلاة أو المنحرفين، بما يعكس حرصه على تمحيص الموروث الروائي وعدم التسليم بكل ما يُتداول دون تحقيق.

وبيّن أن الميزة الثانية تمثلت في ورعه في المواقف الاجتماعية، وسعة أفقه ورحابة صدره وانفتاحه على مختلف الاتجاهات في الساحة الدينية.

وتابع: إن المرجع الراحل عاصر مراحل متعددة من الخلافات والتشنجات التي مرت بها الحوزة العلمية والساحة الإيرانية، لكنه لم يتخذ مواقف سلبية تجاه أي جهة.

ولفت إلى أن هذه المواقف جعلت المرجع الراحل محل احترام لدى مختلف الاتجاهات، على الرغم من تباين مواقفها الفكرية والسياسية، معتبرًا ذلك نموذجًا مهمًا لدور المرجعية الدينية في المجتمع.

ومضى يقول: إن المرجعية الدينية ينبغي أن تكون في موقع الأبوة للجميع، وأن تجمع ولا تفرق، وتحتضن مختلف مكونات الساحة الدينية، بعيدًا عن المواقف التي قد تسهم في تمزيق الصف أو إشعال النزاعات الاجتماعية.