آخر تحديث: 25 / 9 / 2026م - 4:08 م

كُنتِ هناكَ قبلَ ذاكرتي

فوزي آل غريب *


على عتباتِ عينيكِ
يصغرُ العمرُ فجأةً،
وتتساقطُ عن وجهي
أقنعةُ السنين،
وينكمشُ الرجلُ الذي صرتُه
بين كفَّيكِ،
حتى يعودَ طفلًا
لم يتعلَّم بعدُ
كيف يخافُ من العالم.

رغمَ الشيبِ
وهو يشقُّ في رأسي
دروبَه البيضاء،
ورغمَ ما حفرتْه الأيامُ
على جدرانِ روحي،
أعودُ إليكِ
كما خرجتُ أولَ مرَّةٍ
من دفءِ البدايات:

عارياً من العمر،
ممتلئًا بكِ.

أعرفُ حنانكِ
في تفاصيلَ
لا يعرفها سواي؛

في يدكِ حين تمرُّ على رأسي،
كأنها لا تمسُّ شعري،
بل تجمعُ شتاتَ روحي
شعرةً… شعرة.

وفي الطعامِ
حين تضعينه أمامي،
ثم تسألينني
بعد أن شبعتُ:

هل أزيدك؟

وكأنَّ جوعَ ابنكِ
وجعٌ صغيرٌ
لا يحتملُه قلبكِ.

أعرفه
في كوبِ ماءٍ
يسبقُ عطشي،
وفي غطاءٍ
تسحبينه فوق كتفيَّ
وأنا نائم،
وفي نظرةٍ خاطفةٍ
تطمئنُّ أنني بخير،
ثم تمضين،
كأنكِ تخافين
أن توقظَني
حتى محبتُكِ.

يا أمِّي،

كم مرَّةً
نام البيتُ كلُّه
وظلَّ قلبكِ مستيقظًا؟

كم مرَّةً
خبَّأتِ وجعكِ
كي لا نراه،
وجلستِ قرب وجعنا
حتى الصباح؟

وكم مرضنا،
فكان الألمُ في أجسادنا
والحمَّى في قلبكِ؟

كنتِ تضعين كفَّكِ
على جبيني،
فلا أعرفُ
أيُّهما كان يشفيني:

برودةُ يدكِ،
أم ذلك الخوفُ الجميل
المرتجفُ فيها؟

صوتكِ وحده
يعرفُ الطريقَ السرِّيَّ
إلى طفولتي.

ما إن تنادينني:

فايز…

حتى يتراجعَ العمرُ قليلًا،
ويطلُّ من أعماقي
ذلك الصغيرُ
الذي تركتُه منذ أعوام
ومضيت.

كأنَّ اسمي
حين يخرجُ من صوتكِ
ليس اسمَ الرجل
الذي أنا عليه الآن،
بل اسمُ الطفل
الذي ما زال يسكنني.

ذلك الطفلُ
لم يكبر تمامًا؛
كان ينتظرُ فقط
أن تقولي:

فايز…

ليخرجَ من مخبئه في داخلي،
ويرتمي في أحضانكِ،
كأنَّ كلَّ هذه السنين
لم تكن سوى طريقٍ
يعودُ إليكِ.

وحدكِ
تعرفين وجهي
قبل أن تغيِّره الحياة،
وقلبي
قبل أن يتعلَّم
كيف يخفي وجعَه.

أقول لكِ:

أنا بخير.

فتنظرين إليَّ
بتلك النظرة
التي تهدمُ
كلَّ ما بنيتُه من تماسك،
وتسألين:

ما بك؟

فأعرفُ أنَّ الإنسانَ
قد ينجحُ في خداع العالم كلِّه،
إلَّا أمَّه.

كبرتُ يا أمِّي…

كبرتُ بما يكفي
لأتعلَّم كيف أخفي تعبي،
وأمسحُ الحزنَ عن وجهي،
وأقول:

أنا بخير،

وفي صدري
مدينةٌ كاملةٌ
تتهاوى.

تعلَّمتُ أن أقفَ وحدي،
وأن أحملَ نفسي
حين لا تمتدُّ إليَّ يد؛

لكنَّ كفَّكِ على كتفي
تكفي
ليصبحَ العالمُ
الذي حملتُه طويلًا
أخفَّ.

ولحنانكِ وجهٌ آخر
لا يُرى:

دعاؤكِ.

ذلك الذي يخرجُ من غرفتكِ
ولا أسمعه،
ثم أجدُ أثرَه
في الطريق.

كم شرًّا مرَّ بجانبي
ولم يمسَّني،
وربما وقفتْ بيني وبينه
دعوةٌ صغيرة:

يا رب احفظه…

قلتِها أنتِ
في آخر الليل.

ربما عشتُ نصفَ حياتي
مستندًا إلى دعواتٍ
لم أسمعها،
وربما كانت السماءُ
تعرفُ اسمي
من كثرة
ما مرَّ في دعائكِ.

وحين أسافر،
تسألينني:

أكلت؟

وكأنَّ هذه الكلمةَ الصغيرة
تختصرُ الأمومة كلَّها.

وحين أعود،
تتأملين وجهي
كأنكِ تقرئين الرحلةَ
من تحت عينيَّ:

هل نحفت؟
هل تعبت؟
هل نمتَ جيدًا؟

فأفهمُ
أنَّ العالمَ يسألني
ماذا أنجزت،
وأنتِ وحدكِ
تسألينني:

كيف حالك؟

كلَّما ابتعدتُ عنكِ
فهمتُ المسافةَ
على نحوٍ آخر.

فالمسافةُ ليست
ما يفصلُ بين مدينتين،
ولا ما تقيسه الطرقُ
بالكيلومترات؛

المسافةُ الحقيقية
هي مقدارُ الوحشة
التي يتركها غيابُكِ
في الأشياء.

حين تغيبين
يتغيَّر البيت:

مقعدُكِ
يصيرُ سؤالًا،

وفنجانُكِ
ذاكرة،

وعباءتُكِ المعلَّقةُ
قرب الباب
تجعلنا نلتفتُ إليها
ثم نتذكَّر.

وعندها أعرفُ
أنَّ الغيابَ
لا يأخذُ شخصًا واحدًا؛
أحيانًا
يأخذُ معه
مكانًا كاملًا.

وأنتِ
ذلك السرُّ الخفيُّ
الذي يجعلُ للجدران
قلبًا.

وأخافُ الزمن.

لا لأنَّه يأخذُ من وجهي،
ولا لأنَّ الشيبَ
يزحفُ على رأسي؛

أخافُه
لأنني أراه
يمرُّ بكِ أيضًا.

أراه خلسةً
في شعرةٍ بيضاء،
وفي خطوةٍ
صارت أكثرَ هدوءًا،
وفي يدين
كانتا تحملاننا جميعًا،
وبدأ التعبُ
يكتبُ عليهما
سيرتَه الصغيرة.

أنظرُ إلى يديكِ
وأتذكَّر:

هاتان اليدان
حملتاني
قبل أن أعرفَ المشي،
وأطعمتاني
قبل أن أعرفَ الجوع،
ومسحتا وجهي
قبل أن أعرفَ الدموع،

وحملتا عني أشياء
لم أعرف يومًا
كم كانت ثقيلة.

ثم أنظرُ إليهما الآن،
فتأخذني رغبةٌ طفولية
أن أمسكَ الزمنَ من يده
وأقول له:

مهلًا…

هذه أمِّي.

مرَّ من هنا
برفق.

لو كان بوسعي
أن أساومَ الزمن
لقلت:

خذْ من أيامي ما تشاء،
وزِدْه في أيامها.

خذْ من خُطاي،
واتركْ خطوتَها.

خذْ من صوتي،
واتركْ صوتَها
يناديني.

لكنَّ الزمنَ
لا يعقدُ الصفقات.

ولهذا
صرتُ أحبُّكِ
بخوفٍ
لم أعرفه صغيرًا.

كنتُ طفلًا
أخافُ أن تبتعدي عن عيني،

وصرتُ رجلًا
أخافُ
أن تبتعدي عن العمر.

وما بين الخوفين
كبرتُ أنا،

وبقيتِ أنتِ
المكانَ الوحيد
الذي لا يطلبُ منّي
أن أكون شيئًا
سوى ابنكِ.

يا أمِّي،

في العالم
يحبُّوننا لأسباب:

لنجاحٍ،
أو موقفٍ،
أو شيءٍ نقدِّمه.

أمَّا أنتِ
فأحببتِني
قبل أن يكون لديَّ
شيءٌ أقدِّمه للعالم.

أحببتِني
حين لم أكن أعرفُ
اسمكِ
ولا اسمي،

حين لم أملكْ من الدنيا
إلَّا بكاءً صغيرًا
ويدين عاجزتين
تبحثان عنكِ.

ولهذا
كلُّ حبٍّ عرفته بعدكِ
حمل شيئًا
من شروط الحياة،

إلَّا حبَّكِ…

سبقني إليَّ.

فإن أثقلتني الحياةُ
أتيتُكِ،
لا لأشكوها،
بل لأتذكَّر
أنَّ في هذا العالم
صدرًا
سبق العالمَ كلَّه
إلى احتضاني.

كبرتُ يا أمِّي،
وصارت لي في الحياة
أسماءٌ كثيرة،
وأثقلت السنواتُ كتفيَّ
بما يكفي
ليعرفني العالمُ به.

لكنني حين أعودُ إليكِ
أتركُ كلَّ ذلك
خلف الباب:

ما حقَّقتُ،
وما خسرتُ،
والصورةَ التي يعرفني
الناسُ بها.

أجيئكِ
خفيفًا من كلِّ أسمائي،

فلا يبقى منّي
إلَّا الاسمُ الأوَّل
الذي عرفتِني به:

ابنكِ.

وإن كان للإنسان
وطنٌ أوَّل،
فربما لم يكن أرضًا؛

ربما كان
صوتَ أمٍّ
تنادي ابنها
من آخر البيت.

أنتِ أمِّي.

وحين أقولها
لا أبحثُ عن مجازٍ
يليقُ بقصيدة،
ولا عن استعارةٍ
تدهشُ قارئًا؛

فكلُّ المجازات
أصغرُ منكِ،
وكلُّ اللغة
حين تصلُ إلى الأمِّ
تتلعثم.

ماذا تستطيعُ الكلماتُ
أن تقول
عن امرأةٍ
كان جسدُها
أوَّلَ بيتٍ لي،

ونبضُها
أوَّلَ موسيقى سمعتُها،

وحضنُها
أوَّلَ وطنٍ دخلتُه
قبل أن أعرفَ
معنى الوطن؟

أقول:

أمِّي…

فيسقطُ نصفُ حزني،
وتعودُ للأشياء
أسماؤها القديمة:

للصباح طمأنينتُه،
وللخبز دفؤه،
وللنافذة ضوؤها،
ولقلبي
ذلك الركنُ
الذي لم تستطع السنونُ
أن تهدمه.

أمِّي…

ذلك المكانُ
الذي يجوزُ لي فيه
أن أتعب،
وأن أصمت،
وأن أنكسر قليلًا،
دون أن أشرح
لماذا.

أنتِ البدايةُ
حين بدأتُ،

واليدُ
حين تعثَّرتُ،

والدعاءُ
حين ابتعدتُ،

والضوءُ
حين أظلمتْ الجهات،

والحضنُ
حين ضاقَ العالم،

وأنتِ آخرُ طفولةٍ
يتركها الزمنُ
في قلب الرجل.

فإذا سألوني يومًا:

أين كان وطنُك الأوَّل؟

لن أشيرَ إلى مدينة،
ولا إلى بيت،
ولا إلى أرض.

سأضعُ يدي
على قلبي،

وأقول:

هنا…

حيثُ ما زال
صوتُ أمِّي.

وما بعدكِ…

يأتي العالم.