إذا استطعت جذب انتباه الأطفال فيمكنك تعليمهم

قبل عدة أيام، كان الوالد، حفظه الله، يحدثني عن أثر البرامج الهادفة على الأجيال الصاعدة، مثل برنامج «افتح يا سمسم»، وهو برنامج تعليمي تربوي من إنتاج مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي، الذي أُنتج أول جزء منه سنة 1979.
حقيقةً، كانت هناك العديد من البرامج الرائعة التي تستهدف فئات متعددة من المجتمع، مثل «سلامتك»، وهو برنامج توعوي يأتي أيضًا بالتعاون مع مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون والدار المحلية للعلاقات العامة للإعلام، الذي أُنتج سنة 1980. والمسلسل الاجتماعي الكويتي الشهير «إلى أبي وأمي مع التحية»، الذي عُرض جزؤه الأول عام 1980. والعديد من الأعمال الرائعة.
قبل عدة سنوات، وبالتحديد في أيام عيد الفطر المبارك، وُفّقنا إلى زيارة الأستاذ والفنان علي المصطفى «أبو حسين» في منزله، فاستقبلنا بكل ترحيب وفرح، كان مبتسمًا، شفافًا ومريحًا في أحاديثه ومظهره. بدأ يتكلم بشكل مفصل عن الأشعار والمسرحيات والأوبريتات ومجالات الفنون المختلفة مع الفنانين أمثال الفنان والأستاذ علي السبع، والفنان الدكتور عبد الرب إدريس وغيرهم.
هنا، بدأت أفكر مع نفسي، بحكم أن هذه أول زيارة أقوم بها لهذا الشخص، ولم أكن أعرف عنه شيئًا سوى أنه شاعر. هل كان حديثه من باب المبالغة وتمضية الوقت؟
مرت الساعات والأيام والسنوات، وبمصادفة لم أتوقعها، وقع بين يدي كتاب يتكلم عن «علي المصطفى فنان ووطن». من هنا، بدأت أدرك أن ما قاله لي قبل عدة سنوات كان مقدمة وجزءًا بسيطًا جدًا من مسيرته الثرية. وكان مظهره المريح مرآةً لتاريخه الرياضي كلاعب كرة قدم في الفريق الأول بنادي البدر، بل ذهب أبعد من ذلك، بتحقيقه بطولات في رياضة سباق الجري للمسافات الطويلة. فكما قال الشاعر ورجل الأعمال عبدالعزيز البابطين «رحمه الله»: قراءة الكتب تنقل الشخص إلى عالم آخر بغض النظر عما هو عليه، فيستفيد من تجارب الآخرين.
وكما يشهد له الكثيرون في المجال الفني، فإن له من الإنجازات على المستوى المسرحي والشعر الغنائي على مدى 56 عامًا، وقد استشعر القيمة الفنية للتغيير وزيادة وعي المجتمع من خلال أبنائه الطلاب، فبادر بزرع هذه القيم في نفوسهم من خلال المسرح، الذي جعله منبرًا لنشر الجمال والحب بينهم في منتصف الستينيات الميلادية. فقد قدم أكثر من 28 أوبريتًا وطنيًا واجتماعيًا، إضافةً إلى كتابة النص الدرامي التلفزيوني بأشعاره وألحانه أيضًا لمدة تقارب 27 عامًا لصالح محطة تلفزيون الدمام، وقصائد الأغاني التي تغنى بها عدد من المطربين في المملكة والخليج العربي. لم يستسلم أمام أي ظرف في سبيل مشروعه التنويري، الذي يهدف من خلاله إلى التأسيس لمشروع ثقافي وفني وطني يستثمر فيه طاقات أبناء هذا الوطن للبناء ليستمر العطاء جيلًا بعد جيل.
من هنا، أود إعادة الضوء على نقطتين مهمتين ذُكرتا في هذا الكتاب:
هناك في الحياة فئات قليلة جدًا من المجتمع تقبل بالفوز والنصر المشترك، وهذه الفئة في اعتقادي فئة الإبداع والمحرك الأول للمجتمعات والأمم نحو التقدم غير التقليدي.
الاهتمام بدراسة ما كتبه الأستاذ علي المصطفى وغيره من أهل الاختصاص في مسرح الطفل.
هاتان النقطتان المهمتان تأخذاننا مرة أخرى إلى النجاح الباهر للنسخة العربية من «افتح يا سمسم»، وإن كان المحتوى مستلهمًا من المصدر الأصلي، فقد حققت نجاحًا كبيرًا. توقُّف مثل هذه البرامج الهادفة لمدة عقود من الزمن، وغياب التمويل الإقليمي الضخم، خلقا نوعًا من الانكسار الإبداعي الفريد من نوعه. على سبيل المثال: برنامج «شارع سمسم»، النسخة الأصلية، تبلورت فكرة Sesame Street عام 1966 خلال مناقشات بين المنتجة التلفزيونية جوان غانز كوني ونائب رئيس مؤسسة كارنيجي، لويد موريسيت. وكان هدفهما إنشاء برنامج تلفزيوني للأطفال «يسخّر الخصائص الجاذبة للتلفزيون لغرضٍ إيجابي ومفيد، مثل مساعدة الأطفال الصغار على الاستعداد للمدرسة». وبعد عامين من الأبحاث، حصلت «ورشة عمل تلفزيون الأطفال» «CTW» Children’s Television Workshop, التي تأسست حديثًا آنذاك، على منحة مشتركة بقيمة 8 ملايين دولار أمريكي «ما يعادل 70 مليون دولار بأسعار عام 2025» من مؤسسة كارنيجي، ومؤسسة فورد، ومؤسسة البث العام، والحكومة الفيدرالية الأمريكية، وذلك لإنشاء وإنتاج برنامج تلفزيوني جديد للأطفال.
منذ انطلاقته، نال «شارع سمسم» إشادة واسعة، ويُعد واحدًا من أعظم البرامج التلفزيونية على مر العصور. وقد صُنف في تلك الفترة بوصفه البرنامج التلفزيوني الموجه للأطفال الخامس عشر من حيث نسبة المشاهدة في الولايات المتحدة. وأظهر استطلاع للرأي أُجري عام 1996 أن 95% من الأطفال الأمريكيين في سن ما قبل المدرسة قد شاهدوا البرنامج قبل بلوغهم سن الثالثة. وفي عام 2018، قُدّر عدد الأمريكيين الذين شاهدوا البرنامج في طفولتهم بنحو 86 مليون شخص. وحتى عام 2022، حصد البرنامج 222 جائزة «إيمي» و 11 جائزة «غرامي»، وهو رصيد يفوق ما حققه أي برنامج آخر للأطفال. ولا يزال «شارع سمسم» يُعد واحدًا من أطول البرامج التلفزيونية استمرارًا في العالم. وفي عام 2019، اختارت مكتبة الكونغرس السلسلة لحفظها ضمن الأرشيف الأمريكي للبث العام. وفي عام 2001، تجاوز عدد مشاهدي النسخ الدولية المختلفة للبرنامج 120 مليون مشاهد. وبحلول الذكرى الأربعين لانطلاقه عام 2009، كان البرنامج يُبث في أكثر من 140 دولة. وقد صرّح الكاتب الكندي مالكولم جلادويل بأن «برنامج ’شارع سمسم’ «Sesame Street» قد بُني حول رؤية جوهرية ومبتكرة واحدة: وهي أنك إذا استطعت جذب انتباه الأطفال، فيمكنك تعليمهم».
هناك العديد من الطاقات البشرية الكبيرة التي تحتضنها الدول الإسلامية والعربية، فمن المهم جدًا تعزيز الترابط الفني بينهم والعمل فيما بينهم. فكما تجذب مسرحيات الأطفال الأطفالَ، فإن الشعر جذب ملايين البشر حول العالم وفي جميع العصور واللغات. فالفن أو الشعر لغة تختصر مسافات التقدم: هيأتُ لكَ مكانًا للهبوط، أتراه الآن من مكانك؟ قد تظن أن السقوط بعيدٌ جدًا حين تقفز. ستُدرك حينها حقيقتك. إن قفزت الآن، فأنا أعلم أنك ستنجو. أتعلم، إنها رحلةٌ رائعة. حين تكون عاليًا، تُحلّق في السماء، ثم تهبط، يُناديك صوتُ يومٍ جديدٍ من الأرض.












