آخر تحديث: 25 / 9 / 2026م - 8:33 م

يداوي الناس وهو عليل

جمال حسن المطوع


حكمة بالغة المعنى والأثر، ولها عمق شديد الدلالة والوضوح فيما بُنيت عليه، وهي تعبّر عن حالة من المفارقات في السلوك والطبائع الإنسانية؛ لدى من ينصح الآخرين أو يوجههم، بينما يعاني هو نفسيًا أو فكريًا أو منهجيًا.

ويُعدّ هذا الشخص عليلًا، ويعاني انفصامًا بين الوعي والسلوك.

ومثالًا على ذلك: الأب الناصح الذي يعاني من إدمان السهر الضار أو التدخين المضرّ صحيًا، لكنه يصرخ في وجه أبنائه ناهيًا إياهم بقسوة عن تقليده، خوفًا عليهم ومتمنيًا أن يكونوا أفضل حالًا منه، لكن هنا تسقط القدوة وتصبح بلا معنى أو جدوى، وينطبق هذا على حالات أخرى مشابهة، منها على سبيل المثال: المعلم الذي يقدّم دورات باهظة في إدارة الضغوط النفسية والسعادة الزوجية، بينما هو غارقًا في الديون، أو يعاني من طلاق وفوضى عارمة في حياته الشخصية والعملية، وقِس على ذلك المصلح الأسري، وهو شخص يحاول الإصلاح بين المتخاصمين، ويحل مشاكل الناس بحنكة بالغة، وفي الوقت نفسه تراه عاجزًا عن حل المشكلات البسيطة القائمة بين أهل بيته وجيرانه، وهنا نشير إلى تناقض القول مع الفعل.

ثم لو استرسلنا في سرد أمور متعلقة بهذا الشأن، سوف نركز على نقطة حساسة لها علاقة مباشرة بأمور دينية، ومنها أن يرشد المرء غيره إلى الاستقامة وعدم الانحراف عن أوامر الدين، وهو يعيش العلة نفسها، ويقترف الذنب نفسه، ويشبه في معناه قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44].

وغير ذلك من الأمثلة التي نعايشها ونشهدها، وهي لا تعد ولا تحصى في تضاربها وتناقضها.

إذًا، كل هذه الدلائل والمعطيات توجّهنا إلى النظر في ما ينتج عنها من تداعيات، ونحن أولى بدراستها لنتجنب منزلقاتها فيما أشرنا إليه، وأن نستقي الكثير من إيجابياتها ونبتعد عن سلبياتها، حتى لا يقول قائلنا: يداوي الناس وهو عليل…

والله ولي التوفيق.