آخر تحديث: 24 / 9 / 2026م - 10:41 م

المصلحة تتطلب ذلك

فوزي آل غريب *


ثمة عبارات لا تُقال لتفسير المواقف بقدر ما تُقال لإغلاق باب الأسئلة، ولعل من أكثرها شيوعًا تلك الجملة التي تبدو في ظاهرها عقلانية ومحايدة: «المصلحة تتطلب ذلك».

لكن المصلحة، حين تُترك بلا ضابط أخلاقي، قد تصبح اسمًا مهذبًا لأشياء أقل تهذيبًا؛ للأنانية حينًا، وللانتهازية حينًا آخر، وللتخلي عن الآخرين عندما يصبح وجودهم عبئًا على الطريق المؤدي إلى المنفعة.

ليس العيب أن تكون للإنسان مصلحة، ولا أن يسعى إليها. فالحياة، في جانب كبير منها، شبكة من المصالح والاحتياجات المتبادلة، والإنسان بطبيعته يبحث عما يحفظ استقراره ويحقق طموحه. لكن الفارق كبير بين أن تسعى إلى مصلحتك مع الآخرين، وأن تحققها على حسابهم.

وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي للأخلاق.

فمن السهل أن يكون الإنسان وفيًّا حين يتفق الوفاء مع مصلحته، ومن السهل أن يتحدث عن المبادئ حين لا تكلفه شيئًا. لكن قيمة المبدأ لا تظهر عندما يكون التمسك به مريحًا، بل حين يصبح مكلفًا؛ حين يكون في مقدور الإنسان أن يربح شيئًا بالتخلي عنه، ثم يختار ألّا يفعل.

بعض المصالح واضحة؛ كالمال والمنصب والنفوذ. وبعضها أكثر خفاءً؛ كالرغبة في السيطرة، أو الاحتفاظ بالآخرين داخل دائرة التأثير. وهنا قد يتحول الإنسان نفسه إلى وسيلة: تُستثمر حاجته، ويُستغل ضعفه، وتُستدرج ثقته، ثم يُطلب منه، بعد كل ذلك، أن يتفهم ما حدث لأن «المصلحة تتطلب».

ولعل التلاعب بالمشاعر من أقسى صور هذا الاستغلال؛ لأنه لا يستولي على مال الإنسان أو جهده فحسب، بل يتسلل إلى المساحة التي يظنها الأكثر أمانًا في داخله: ثقته بالآخرين.

فهناك من يمنحك شعورًا بالانتماء كي يضمن ولاءك، ومن يبالغ في إظهار القرب حتى يطمئن إلى ثقتك، ومن يستحضر المحبة والصداقة والعِشرة كلما احتاج منك موقفًا، ثم تتبدل لغته حين تنتهي الحاجة.

وعندها يكتشف الطرف الآخر، وربما بعد فوات الأوان، أن بعض الكلمات التي حسبها مشاعر لم تكن سوى أدوات تفاوض، وأن بعض المواقف التي ظنها وفاءً لم تكن إلا استثمارًا مؤجل العائد.

وهذا ما يجعل استغلال المشاعر أشد قسوة من كثير من صور الاستغلال الأخرى. فالخسارة المادية قد تُعوَّض، والموقف العابر قد يُنسى، أما حين يُصاب الإنسان في ثقته، فإنه لا يخسر موقفًا واحدًا فحسب، بل قد يخسر شيئًا من قدرته على الاطمئنان إلى المواقف التي تأتي بعده.

وفي العلاقات الإنسانية يصبح الأمر أكثر إيلامًا. فعندما يعرف أحدهم مقدار محبة الآخر له، ثم يجعل من تلك المحبة نقطة ضغط، فإنه لا يستخدم قوته بقدر ما يستخدم قلب الآخر ضده. وحين يعرف خوفه من الفقد فيلوّح له بالغياب، أو يعرف حاجته إلى القبول فيساومه عليه، تنتقل العلاقة من مساحة المودة إلى مساحة السيطرة، حتى وإن بقيت الكلمات جميلة.

وللمصلحة قدرة عجيبة على إعادة تسمية الأشياء.

فقد يصبح التخلي «ضرورة»، والانتهازية «واقعية»، والاستغلال «ذكاءً»، والتنكر لمن وقفوا معنا «تغيرًا في الظروف». ومع كثرة التبريرات يستطيع الإنسان أن يمنح أنانيته اسمًا محترمًا، ثم يمضي مطمئنًا إلى أنه لم يفعل سوى ما اقتضته الظروف.

لكن تغيير أسماء الأشياء لا يغير حقيقتها.

فالخذلان يظل خذلانًا ولو أحطناه بعشرات المبررات، والاستغلال لا يصبح مقبولًا لمجرد أننا أطلقنا عليه اسم المصلحة، والوفاء لا يفقد قيمته لأن المحافظة عليه أصبحت مكلفة.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يواجه به الإنسان نفسه ليس:

هل حققت مصلحتي؟

بل:

ماذا خسرت من نفسي وأنا أحققها؟

فقد يربح الإنسان صفقة ويخسر احترامًا بُني في سنوات، وقد يبلغ منصبًا ويترك خلفه قلوبًا خذلها، وقد ينتصر في موقف ثم يكتشف أنه، في طريقه إلى ذلك الانتصار، هزم شيئًا جميلًا كان في داخله.

فليست كل الأرباح مكاسب، كما أنَّ بعض الخسائر أَنْبَلُ من انتصاراتٍ كثيرة.

والمصلحة الحقيقية ليست أن يحصل الإنسان على كل ما يريد، بل أن يصل إلى ما يريد دون أن يضطر في الطريق إلى امتهان كرامة أحد، أو استغلال محبته، أو المتاجرة بثقته، أو التنكر لمن أحسن إليه يومًا.

ولهذا، كلما قيل لنا إن «المصلحة تتطلب ذلك»، يجدر بنا ألّا نسارع إلى التسليم، بل أن نسأل الأسئلة التي كثيرًا ما تختبئ خلف هذه العبارة:

مصلحة من؟

وعلى حساب من؟

ومن سيدفع الثمن؟

لأن المصلحة التي لا تتحقق إلا بكسر خاطر، أو استغلال ثقة، أو خذلان من كان وفيًّا، ليست دائمًا مصلحة.

قد تكون أنانيةً لم تفعل شيئًا سوى أنها أحسنت اختيار اسمٍ أكثر أناقة.