آخر تحديث: 24 / 9 / 2026م - 10:41 م

وطني… وما خاب فيك رجائي

سهام طاهر البوشاجع *


في كل عام تتجول روحي بين عيون الصغار وهم يجوبون المحال، يشترون كل ما يزين فرحتهم باللون الأخضر؛ من الأعلام والملابس والأحذية إلى زينة السيارات وبخاخات الثلج. وتحلق روحي مع سعادة الكبار وهم يحمدون الله تعالى على نعمة الأمن والاستقرار التي ترفرف على ربوع وطننا الغالي.

وفي كل عام يزداد فخري بانتمائي إلى هذه الأرض التي حباها الله بالعزة والشموخ والهيبة، وجعل لها مكانة رفيعة في مصاف الدول.

كان ذلك مشهدا يتكرر كل عام بوتيرة من السعادة المتزايدة، غير أن هذا العام كان مختلفا؛ فقد قيلت لي جملة هزت أوتار روحي، وأوقفتني أمام حقيقة عميقة: أن الفرح بالوطن لا يكتمل في عيون الصغار، ولا في امتنان الكبار وحده، بل يكتمل بوعي معنى الانتماء إليه.

حينها أدركت أن حب الوطن هو ما نغرسه في أرضه من مبادئ وقيم، وما نعمره فيه من صلاح وعدالة وازدهار. وأدركت أن الحب ليس مجرد فرحة عابرة أو احتفال يتجدد عاما بعد عام، بل هو بذرة نزرعها بإخلاص، ثم نراها شجرة خضراء تظلل الوطن وتزينه بثمار العلم والعمل والعطاء.

وعرفت يومها عمق الجملة التي قيلت لي؛ فهي ليست عبارة عابرة قيلت مجاملة لوطن، بل حكمة رويت عن أمير المؤمنين الإمام علي : «عمرت البلدان بحب الأوطان».

ولعل عمارة الأوطان تبدأ من عمارة البيوت بالمحبة والصدق والوفاء؛ فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الانتماء وحفظ العهد. يبدأ الحب من بره بوالديه، وإخلاصه لزوجه، ورحمته بأبنائه، وصونه لمشاعر أهله وحقوقهم وثقتهم.

وحين يتعلم الإنسان أن يحب أهله بإخلاص، وألا يخون نعمة المودة التي أودعها الله بين يديه، يتعلم كيف يحب وطنه ويحفظ أمانته، فلا يخذله أو يخون العهد معه في يوم من الأيام. فالوطن بيت كبير، والبيت وطن صغير؛ ومن أتقن الوفاء في دائرته الأقرب، حمل هذا الخلق معه إلى مجتمعه ووطنه.

وما أعظم نصيب المعلمين من هذا الحب؛ فغرسهم عميق، وبه تخضر العقول وتستنير الأجيال، ثم تمضي لتبني الأرض وتعمرها جيلا بعد جيل.

وكذلك العاملون في القطاعات الصحية والهندسية والمالية والتجارية والإدارية والعسكرية وغيرها؛ فلكل منهم غرسه الخاص، وبناؤه المتفرد، وأثره الذي يترجم حب الوطن إلى إنجاز نراه ونعيشه.

فالأوطان حصاد ما نغرسه فيها، والحب الحقيقي هو تلك الثمرة التي ترتسم على وجوه أبنائها بعد أن يروا آثار البناء والرخاء والأمان.

هنيئا لمن أدرك هذا العمق في معنى الانتماء، وهنيئا لمن كان من الزارعين في هذه البلاد؛ فغدا يجني ثمرة غرسه محبة ووفاء وعطاء.

وكم أتمنى يا وطني أن أراك شامخا مزدهرا، وأن أتباهى بك كلما أشير إليك بأنك بلاد الإسلام وقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم. وكم يملؤني الرجاء بأن يبقى نهجك مستمدا من راية التوحيد التي تعلو علمك، وأن تمضي في نهضتك واثقا ومتوازنا؛ تأخذ من المدنية أجمل ما فيها من علم وبناء وتقدم، من دون أن يشوبك بريق مدنية زائفة، أو انفلات صاخب يتستر باسم الحرية والانفتاح.

رجائي أن تظل عصيا على الفساد والانحلال، وأن تصان فيك فتياتنا بالعفة والكرامة، ويحفظ شبابنا بالوعي والقيم، وأن تبقى بطهر الحرمين الشريفين طاهرا نقيا، شامخ الهوية، راسخ المبادئ إلى الأبد.

يا وطني، لن يكون حبك نشيدا نردده ثم نصمت، بل عهدا نعيشه، وغرسا نسقيه بالعلم والعمل والإخلاص، حتى تظل في كل جيل أكثر اخضرارا وشموخا. فهنيئا لمن غرس فيك خيرا، وهنيئا لمن ترك على ترابك أثرا؛ فما أصدق الحب حين يتحول إلى بناء، وما أجمل العمر حين يهدى للوطن.

هذا رجائي فيك يا وطني… وما خاب فيك رجائي.

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز