آخر تحديث: 23 / 9 / 2026م - 8:20 م

حين فتحت أوراق أبي

علي الحايك *


لا تدري بماذا تفاجئك الجهات الخدمية، بين تحديث بيانات وتوثيق عدادات، وتحويل صكوك. وتلك الطلبات جعلتني أبحث في أوراق أبي رحمه الله، وكان أول ما وقع عليه نظري بطاقة عائلة من إصدار قديم. كُتب في أعلاها اسم الوالد: منصور بن معتوق بن منصور الحايك، سنة الميلاد 1348 هـ، دون كتابة يوم أو شهر.

قلت في نفسي: إذًا ها قد مرت مئة عام على ولادته، إذ إننا في العام 1448 هـ. وتاريخ الولادة في ذلك الزمن، وإن لم يكن دقيقًا وقتذاك بحكم ظروف العصر، إلا أن ما عايشه الآباء، رحمهم الله، من أحداث ووقائع، وقياسًا إلى أعمار أبنائهم، يتضح لنا أنهم من مواليد النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري.

ورأيت بمحاذاة الأوراق صورة تذكارية لأبي ومجموعة من زملائه، يحملون في أيديهم شهادات داخل براويز. وكان من بين تلك الأوراق ورقة تخصني، وكانت بياناتها لم تكن بذلك الوضوح. كُتب في أعلاها: شركة الزيت العربية الأمريكية، عام 1986 م، الظهران، وكانت الورقة كأنها كشف طبي ونحو ذلك. فحضرت الذكرى، وسرح الخيال إلى زمن بعيد، ورحت أستعيد بعض ما حفظته الذاكرة من حديث أبي عن فترة عمله قبل سبعين سنة. إنه تاريخ آبائنا وكفاحهم وسعيهم في مرحلة بدايات التوسع النفطي في البلاد، في شركة أرامكو السعودية.

القيصومة

أخبرني أبي أنه في أوائل الخمسينيات الميلادية ذهب إلى القيصومة في شمال شرقي المملكة العربية السعودية، إذ كانت هناك محطة لخط التابلاين الممتد إلى ميناء صيدا في لبنان، وعمل في تلك المحطة بعيدًا عن الأهل والديار. قال إنهم سكنوا الخيام في بادئ الأمر، وكان العمال من بيئات مختلفة، من بدو وحضر وأهل الساحل، وأجانب. يقول: قد تضطر أن تسكن الخيمة، وقد رُبط في عمودها ضب، يحتفظ به أحد الزملاء.

وحكاية الضب لم تقتصر على القيصومة؛ إذ أخبرنا المرحوم السيد علوي آل السيد كاظم أبو حسين، رحمه الله، وكان من مواليد ذلك العهد وعمل في أرامكو، وبالتحديد في الربع الخالي. وحين نتحدث في نخل المشطبة بالجارودية لبعض الوقت، كان يخبرنا عن عمله وبعض ذكرياته، ومن بينها حديثه عن الضب الذي قد يشاركك السكن في خيمة واحدة.

ثم إن أبي كان يخبرنا أنه حين بدأ يتحدث اللغة الإنجليزية بحكم مخالطته للأمريكان هناك، تعلّم منهم الكثير على مستوى النظام والتقيد به في مختلف الشؤون. كان توقيع أبي باللغة الإنجليزية، وقرأت له كلمات في أحد الدفاتر، عبارة عن أسماء الشهور بالإنجليزية وأرقام، وأسماء أماكن ومحطات.

وقال ذات مرة إن أمريكيًا أخبره في عام 1959 م أن الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله، سيأتي قريبًا إلى القيصومة، ويفتتح بها مراكز خدمية، بالإضافة إلى القيام على رعاية شؤون العمال. وحينها راح أبي يصف لنا بهجة العمال وفرحهم بهذا النبأ، وكان عددهم كثيرًا ومن جنسيات متعددة.

ومما كان يرويه على سفرة الطعام في العادة، ويضحك، فالطعام على ما يبدو يجلب ذكرى مشابهة، أنهم حين يتشاركون في طعام مختلف عما يُقدّم لهم، يدفع كل منهم ما تفرضه القسمة. فيجلسون على سفرة واحدة ويأكلون، وكان أبي يربت على كتف أحدهم قائلًا: «كل يا فلان». فيلتفت له ذلك الرجل ويقول: «والله آكل من حلالي، مالك منية عليّ»، بحكم أنه دفع ما عليه. فيكاد أبي يغص بلقمته من الضحك، ويضحك الجميع.

أما حين يلتقي أبي بأحد أبناء قريته الجارودية في بعض المراكز - لم أفهم ما تلك المراكز بالتحديد - وربما كانت مراكز لانطلاق الشاحنات التي تسمى «لوري»، وقد تكون هي التي تقل العمال إلى الظهران ومن ثم القطيف، فلم يكن أبي يسمي لنا أحدًا باسمه. يقول: فورًا أسأل الرجل عن وقت قدومه، وإن كان للتو قادمًا من الجارودية، أسأله بلهفة عن الأهل والعيال والبلدة.

رفحاء

وفي فترة زمنية ذهب الوالد إلى رفحاء في الحدود الشمالية، فبَعُدت المسافات وقَسَت الغربة أكثر، إلا أن صبر الآباء وتحملهم المشاق لا نظير له.

هناك حدثني عن رجل نجدي، في بداية تعارفهما، أخبره أبي باسمه منصور، فقال له: «أنت ما غير ناصر». وفعلاً، كذلك كان يُعرف في مجموعة من زملائه مدة طويلة.

كان يحدثني عن رفحاء، وبردها في الشمال، وعن الماء شبه المتجمد في الخزانات الحديدية، وعن هلعه في الليل الحالك إذ نظر فجأة إلى بومة برأس كبير، كانت تقف على قائم حديدي. أما الدفء في الماء والسكن، فكان من نصيب مساكن الأمريكان أكثر من أي مكان آخر. ولم يحدثني عن مدة عمله هناك، لكنه حدثني عن اعتزازه بالعمل، وبالتجربة التي أثّرت في مختلف شؤونه الحياتية.

الظهران

أما سنوات الرخاء ورغد العيش، فكانت في الظهران؛ إذ كانت هناك حاجيات كانتين أرامكو المميزة، والتي لا توجد إلا هناك، والعمل بالقرب من الأهل والعيال، والرعاية الطبية للموظف وأسرته على أكمل وجه، مع توفر المواصلات بحافلات مريحة تأخذك من باب منزلك وتعيدك إليه. وشتان بين العمل في خط التابلاين، في الصحراء وعبر محطات مختلفة، وبين العمل هنا.

ومع ذلك، كان العمل في الظهران على فترات، وكان أبي ومن في عمره يسمّون مجموع ساعات العمل: «زام»، زام ليل، زام نهار، وهكذا. وتلك عبارات غابت عن الألسن هذه الأيام، ولم تغب عن الذاكرة.

وحين فتحت تلك الأوراق، وجدتني مبحرًا في الذكرى، أستعيد كفاح الآباء الذين حملوا مشقة العمل والغربة، وتنقلوا بين الصحراء والمحطات، بحثًا عن الرزق، وبناء حياة أفضل لأسرهم.