غَمّازَتُها ذَاتُ اليَمِين

في وجهها
تفصيلٌ صغير
لم تنتبه إليه خرائطُ العالم؛
غمازةٌ
على جهة اليمين،
كأنَّ الجمال حين انتهى من خَلْقها
وقَّع اسمه هناك.
لا أعرف لماذا
كلما ابتسمتْ
مالت الأشياءُ قليلًا نحوها؛
أغصانُ البيلسان،
ظلالُ الأشجار،
عقاربُ الساعات،
وحتى قلبي
الذي أمضى عمره يتظاهر
بأنه يعرف الجهات،
نسي الجهات الأربع،
وتاه في جهةٍ خامسة:
غمازتُها… ذات اليمين.
غمازتُها ليست أُمنيةً على الخد،
إنها زلَّةٌ صغيرة
ارتكبها الكمالُ عمدًا،
كي لا يُقال
إن الجمال بلا خطيئة؛
ومنذ ذلك الحين
وأنا لا أعرف
كيف يمكن لخطأٍ صغير
أن يكون بهذا الصواب.
قلتُ لها مرةً:
أتعرفين
أن في يمين وجهك
مكانًا صغيرًا
تسقط فيه فلسفتي كلُّها؟
فضحكتْ.
وكان ذلك خطأها الجميل.
فمنذ تلك الضحكة
وأنا أحاول إنقاذ رجلٍ
سقط بكامل حكمته
في غمازة.
يا صاحبة الغمازة ذات اليمين،
كيف استطعتِ
أن تجعلي من نقصٍ صغير…
يشاغبُ استقامةَ الخد،
كمالًا
تتعثر أمامه الهندسة؟
ولعلَّ الهندسةَ
لم تعرف كلَّ أسرار الجمال،
إلى أن مرَّ وجهك،
فأدركتْ
أن أجملَ الطرق
قد تبدأ بانحناءة.
ومن قال
إن الجمال يحتاج مساحة؟
ربما تكفي
حفرةٌ صغيرة
ليختبئ فيها كونٌ كامل.
وربما لهذا
خلق الله النجوم بعيدة؛
كي نتعلم
أن الأشياء الصغيرة
قد تهزم المسافات الكبيرة.
وحين لا تبتسمين
تختفي الغمازة،
فأفهم فجأةً
أن بعض الجمال
لا يغيب…
بل يطوي نفسه بهدوء،
وينتظر فرحًا عابرًا
ليعود إلى ملامحه.
وأفهم
أن الإنسان أيضًا
قد يحمل في وجهه أسرارًا
لا يعرف الحزن
كيف يصل إليها.
لهذا
لا أطلب منكِ أن تبتسمي دائمًا؛
فأنا أعرف
أن الابتسامة التي تُؤمر بالحضور
تفقدُ شيئًا من روحها،
وأنا أحب ابتسامتك
حرّةً،
متمردةً،
تأتي حين تشاء
وتأخذني معها
حين تشاء.
أحيانًا أفكر:
ماذا لو كانت غمازتك
أثرَ قبلةٍ قديمة
تركها الفرح على خدك
قبل أن تولدي؟
ماذا لو أن الحياة
حين وزعت أسرارها على البشر
خبأت سرَّك هناك؟
وماذا لو أنني
لم أحب ابتسامتك أصلًا،
بل أحببت ذلك الغياب الصغير
الذي يحدث في وجهك
حين تبتسمين؟
فالحبُّ، ربما،
ليس أن نجد شيئًا في الآخر،
بل أن نفقد شيئًا من أنفسنا
كلما حضر.
وأنا…
منذ عرفتك
أفقد اتزاني
بصورةٍ تليق بي.
يا صاحبة الغمازة ذات اليمين،
لديَّ اعترافٌ
يُربك الجهات:
منذ رأيتك
لم تعد الجهات أربعًا.
هناك شمال،
وجنوب،
وشرق،
وغرب،
وهناك
أنتِ.
وكلُّ الطرق التي لا تنتهي إليكِ
ليست سوى طرقٍ جانبية.
حتى البوصلة،
لو مرَّت بها ابتسامتك،
لارتجفت إبرتُها قليلًا،
ثم مالت نحوكِ،
كأنها اكتشفت أخيرًا
أن للحنين أيضًا
جِهةً…
وكانت أنتِ.
وكنتُ، قبلَكِ،
أظنُّ أن الفلسفة
سؤالٌ أكبر من القلب:
من نحن؟
ولماذا جئنا؟
وإلى أين نمضي؟
ثم ابتسمتِ،
فاكتشفتُ
أن الإنسان قد يقضي عمره
يطارد أجوبة الكون…
ثم تهزمه
غمازةٌ
على خَدِّ امرأةٍ.
وكلما حاولتُ أن أفهمك
ازددتُ جهلًا بك،
كأنك كتابٌ
كلما قرأتُ منه صفحة
أضاف إلى نفسه
فصلًا جديدًا.
لهذا
توقفت عن محاولة فهمك.
فبعضُ الجمال
يُفسده السؤال،
كما يُفسدُ الجوابُ
دهشةَ الفراشة.
والوردُ
لا يحتاجُ ناقدًا
ليكونَ وردًا.
وعندما تكبرين يومًا
ويأتي الزمن
ليضع خطوطه الصغيرة حول عينيكِ،
لا تخافي.
فالزمن رسامٌ سيئ
حين يحاول تشويه الجمال؛
كل خطٍّ سيضيفه إلى وجهكِ
سيكون طريقًا جديدًا
يقود إلى تلك الغمازة.
وحينها
سأكون قد كبرتُ أنا أيضًا،
وربما أنسى أسماء المدن،
ومواعيد القطارات،
وأرقام الهواتف،
وأين وضعت نظارتي.
لكنني سأعرف شيئًا واحدًا:
أن في هذا العالم
امرأةً
إذا ابتسمت
ظهر على يمين وجهها
مكانٌ صغير
كنتُ أسميه سرًّا:
ولا أدري إلى اليوم
كيف اتَّسع كلُّ هذا الحنين
لِغَمّازةٍ.
فابتسمي حين تشائين
يا صاحبة الغمازة ذات اليمين،
ودعي العالم
يميل قليلًا…
فليس كلُّ ميلٍ
سقوطًا؛
فبعضُ الجهات
تُسمّى حبًّا.
ومنذ عرفتكِ،
صار لليمين
معنى آخر.












