الكورة والفيسبوك.. حكاية نسيجٍ تغيّر

في حي البحر في مدينتي القطيف الجميلة، كان لجيلي عالمه الكروي الخاص؛ ملعب التعاون، وعلى مقربة منه ملعب النجاح، ثم ملعب الزريب، وغيرها من الملاعب الترابية التي كانت تمتلئ عصرًا باللاعبين والمشجعين. كانت فرق الحواري كثيرة، وأكثر لاعبيها من طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية. كان هناك فريق البرازيل، الذي ضم عددًا من أبناء عائلة آل عاشور الكرام، وكان في نظري الفريق الأجمل والأكثر أناقة؛ بقمصانه الصفراء وشورتاته الزرقاء، وكأن لاعبيه داخلون إلى استاد ويمبلي، لا إلى ملعب ترابي في حي البحر! وهناك العربي والتعاون، وفرق أخرى حملت أسماء مناطقها. أما من كانوا يكبروننا، فتحتفظ ذاكرتي بفرق النجوم للمرحوم فيصل الخال، والرصيف، وساوباولو، ومارسيليا، وقاصد خير، وغيرها. قدّمت تلك الحواري مواهب كروية رائعة، ولو أتيحت لبعضها فرصة اللعب في أندية كبيرة لكان لها شأن آخر. كانوا يلعبون بحب وحماس، وتصطف على جوانب الملعب جماهير تشجع هذا وتهتف لذاك. والأهم أننا كنا نعرف بعضنا بعضًا؛ لاعبًا ومشجعًا وخصمًا، وكانت مباراة واحدة تفتح لنا بابًا إلى صداقات ومعارف جديدة. كل ذلك حول مباراة لا كأس فيها، ولا مكافأة، ولا حتى مصور يوثقها. ثم ماذا؟!
ثم وجد كثير من أولئك اللاعبين طريقهم إلى ناشئي الأندية المحلية، وانتقل معهم الشغف من ملاعب الحواري إلى ملاعب الأندية. وحين يلعب الفريق الأول لأحد أندية القطيف، كانت الجماهير تملأ المدرجات؛ فالكرة يومئذ لم تكن تسعين دقيقة تنتهي بصافرة الحكم، بل مناسبة يلتقي فيها الناس ويهتفون ويفرحون معًا، وربما اختلفوا وتشاجروا أحيانًا، ثم تصافت قلوبهم. وما زلت أتذكر يوم انتصر الترجي على أشقائنا في الخليج في بطولة الشرقية؛ فغصّت الطرقات بالسيارات والمشجعين، وتحول شارع الملك عبدالعزيز إلى «شانزليزيه القطيف». لم يكن انتصارًا ينتهي عند حدود الملعب، بل فرحًا خرج إلى الشوارع وشارك فيه الناس. ولم تكن الأندية المحلية فرقًا نشجعها فحسب؛ بل ملتقى نتعرف فيه إلى هذا، ونسلم على ذاك، ونلتقي بمن غاب عنا، حتى غدت الكرة جزءًا من النسيج الاجتماعي للمكان. ثم ماذا؟!
ثم قلّ أن أرى اليوم أطفالًا شكّلوا فريقًا، واختاروا له اسمًا وملعبًا وكابتنًا، ثم أعلنوا الحرب الكروية على فريق الحارة الأخرى. في أيامنا، كان اللاعب الأساسي يمشي وعليه سيماء العظمة، أما كابتن الفريق فيُقام له ويُقعد! كنا نظنها كرة، ولم نكن نعرف أنها تعلّمنا أن ننتمي، ونلتزم، ونصادق، ونختلف، ونتصالح، وننافس، وننتصر وننهزم، ثم نعود في اليوم التالي إلى الملعب. والأهم أنها جعلتنا نعرف الناس، وجعلت الناس تعرفنا؛ صنعت شبكة من العلاقات من دون فيسبوك وتويتر وتيك توك وغيرها. كانت مدرسة صغيرة بلا فصول ولا سبورة، وكان التراب بعض مناهجها. واليوم نملك من وسائل «التواصل» ما لم يخطر لنا على بال، لكننا ربما أصبحنا أقل تواصلًا مع من حولنا؛ نعرف أخبار البعيد، وقد لا نعرف ابن الحي القريب. بقيت الكرة؛ ملاعب أجمل، وشاشات أكبر، ونجوم نعرف عنهم كل شيء، لكن الذي غاب هو تلك المساحة التي كانت تجعل الناس يعرف بعضهم بعضًا. رحم الله الكورة لوّل!












