آخر تحديث: 23 / 9 / 2026م - 8:20 م

ما تبقيه الأرض فينا

نازك الخنيزي


لا يدخل الوطن حياتنا من بابٍ واضح. يتسرّب أولًا في أشياء نظنها عابرة: رائحة تحفظها الذاكرة قبل أن تعرف اسمها، عتبة تتآكل تحت أقدام السنين، نبرة مألوفة تستقر في الأذن، وطين يعلق بالطفولة، ثم يتحول مع الزمن إلى طبقة خفية في الروح.

هناك يبدأ المكان في تشكيلنا؛ يدخل في اللغة، في الذائقة، في هيئة الحنين، وفي ذلك الميل الغامض إلى جهة بعينها مهما ازدحمت الجهات.

يكبر المرء، وتتسع خرائطه. يتعلم أسماء مدن جديدة، يألف طرقًا لم يعرفها، ويترك شيئًا من عمره في أمكنة متفرقة. غير أن الأمكنة لا تتساوى في الداخل؛ منها ما نعبره وينتهي، ومنها ما يترك أثره عالقًا فينا، ومنها ما يواصل الإقامة بعد الرحيل.

الوطن من ذلك النوع الذي لا ينتهي بالخروج منه. يظل ساكنًا في طبقة لا تبلغها المسافة، ويستيقظ لأسباب صغيرة: لهجة نصادفها بعيدًا، رائحة تفتح بابًا نسيه الزمن، نخلة توقظ أفقًا قديمًا، بحر يعيد مياهه الأولى إلى الجسد.

هنا تتبدل دلالة الغياب. قد يبتعد الإنسان آلاف الأميال، وتظل أرضه أشد قربًا من أشياء تحيط به كل يوم. وقد يسكن مدينة أعوامًا طويلة، ويبقى جزء منه خارجها؛ فالألفة وحدها لا تمنح المكان حقه في الروح.

ثمة فرق بين أن نحفظ الطريق، وأن يحتفظ الطريق بشيء منا.

في الوطن لا تمر الأشياء محايدة. الجدار يحمل طبقات من الأصوات، الشارع يحتفظ بخطى الراحلين، الأبواب تختزن أعمارًا انطوت خلفها، والبيوت تتشبع بما مر فيها من حياة وغياب. لذلك يصبح المكان أوسع من مادته، وأعمق من صورته الظاهرة.

الوطن زمن متراكم. نمشي فيه فوق آثار سبقتنا، ونترك في ترابه ما سيمر فوقه آخرون. تتجاور الأزمنة في موضع واحد: ذاكرة بعيدة، حاضر يتشكل، ومستقبل لم يكتسب ملامحه بعد.

هنا يأخذ الانتماء معناه الأثقل. ليس حنينًا يحرس الماضي، ولا عاطفة تكتفي بالامتنان؛ إنه أثر يضاف، ومسؤولية تترك علامتها، ووعي يدرك أن الأرض التي منحت أبناءها أسماءهم تنتظر منهم ما يليق بما منحت.

الأوطان لا تحتاج إلى كثرة الكلام عنها. تحتاج إلى معرفة توسع أفقها، وثقافة تصون ذاكرتها، وعمل يرفع معنى الحياة فيها، ويد تدرك أن البناء لا يبدأ بالحجر ولا ينتهي عنده.

ما نرثه من الوطن ليس خاتمة. ثمة جزء منه يصل إلينا ناقصًا، مفتوحًا، ينتظر ما نضيفه إليه. وما نرده له لا يقاس بالشعارات، وإنما بما يتبدل في الإنسان والمكان تحت أيدينا.

لهذا تحمل المناسبة الوطنية معنى أعمق من استعادة الماضي. إنها لحظة ننظر فيها إلى الزمن الذي عبر هذه الأرض، ونسأل عمّا أودعناه نحن في ذلك الزمن. فالتاريخ ليس شيئًا انتهى؛ جزء منه ما زال حيًا بين أيدينا، ينتظر صيغته المقبلة.

الوطن، في جوهره، ليس ما اكتمل، وإنما ما يظل مفتوحًا على ما يمكن أن نصنعه فيه.

بين الذاكرة والمستقبل نقف نحن؛ نحمل ما وصل إلينا، ونترك ما سيصل إلى غيرنا، وتبقى قيمة العبور معلقة بما أضفناه إلى الطريق.

ويبقى الوطن في موضعٍ أعمق من الأرض التي تحمل خطونا؛ يمتد فينا أثرًا خفيًا، وتستند إليه الروح كلما اضطربت الجهات.