آخر تحديث: 23 / 9 / 2026م - 8:20 م

قضاء حوائج الناس

أحمد منصور الخرمدي *


إن أجر عمل الخير لا يضيع عند الله سبحانه وتعالى، ومن أجلِّ الأعمال الطيبة والأخلاق الإنسانية الرفيعة السعي في قضاء حوائج الناس، وتفريج كربهم، وإدخال السرور إلى قلوبهم. فالإنسان قد لا يملك مالًا كثيرًا، لكنه قد يملك كلمة، أو موقفًا، أو وقتًا، أو قدرةً على إيصال صاحب حاجة إلى من يستطيع مساعدته؛ وكل ذلك من أبواب المعروف.

فمن يسعى في قضاء حاجة إنسان، أو يفرّج عنه كربة، أو يعينه على تجاوز محنة، فقد قام بعمل من أعمال البر والإحسان، وجعل من قدرته ووقته وسيلة لنفع غيره. وقد قال رسول الله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

إن قضاء حوائج الناس ليس مجرد مساعدة عابرة، بل هو خلق كريم وسلوك نبيل وصورة من صور الرحمة والتكافل بين أفراد المجتمع. فالمجتمع لا يتماسك بالمصالح وحدها، وإنما يحتاج إلى أفراد يشعر بعضهم ببعض، ويبادر القادر منهم إلى إعانة المحتاج.

وقد يكون موقف صغير سببًا في تغيير حياة إنسان إلى الأفضل؛ فما يبدو أمرًا يسيرًا عند صاحبه قد يكون كبيرًا في حياة من يحتاج إليه. وقد ورد في الحديث الشريف: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس». وهي كلمة تحمل معنى عميقًا؛ فالإنسان لا يُقاس بما يملك لنفسه فقط، وإنما بما يقدمه للآخرين من خير ونفع وإحسان.

وصور قضاء حوائج الناس كثيرة: تفريج كربة، أو قضاء دين، أو إطعام جائع، أو مساعدة محتاج، أو إصلاح ذات البين، أو الوقوف إلى جانب إنسان في محنة، أو السعي في لمّ شمل أسرة وإصلاح علاقة بين متخاصمين. وقد تكون الحاجة أحيانًا إلى كلمة صادقة أو نصيحة أمينة أو إصغاء رحيم، لا إلى المال وحده.

وكم من كلمة طيبة أو موقف صادق أو مساعدة جاءت في وقتها فأعادت الأمل إلى قلب أنهكته الحياة، وأعادت البسمة إلى وجه أثقلته الهموم. وقد جاء في الحديث الشريف:

«أي الناس أحب إلى الله؟ قال: أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا».

وهذا المعنى يؤكد أن نفع الناس ليس قيمة اجتماعية فحسب، بل خلق ينبغي أن يتحول إلى ممارسة يومية في حياة الإنسان.

ومن جميل ما نُسب إلى الإمام علي قوله:

«إن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم فتحور نقمًا».

وهو معنى جدير بالتأمل؛ فحاجة الآخرين إلينا قد تكون بابًا من أبواب النعمة، لأن الإنسان حين يستطيع أن يرفع ضيقًا عن غيره فقد مُنح قدرة على صناعة أثر طيب.

غير أن قضاء الحوائج لا يكتمل بمجرد تقديم المساعدة؛ فطريقة تقديمها جزء من قيمتها. ومن مكارم الأخلاق أن يُصنع المعروف في صمت، بعيدًا عن التفاخر والرياء والمنّ والأذى، وأن تُحفظ كرامة المحتاج فلا تتحول مساعدته إلى مناسبة لإحراجه أو استعراض ضعفه أمام الآخرين.

قال سبحانه وتعالى:

﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة: 264].

وهنا يظهر أحد أهم معايير المعروف الحقيقي: أن تمنح الإنسان العون دون أن تسلبه كرامته. فليست كل مساعدة مكتملة أخلاقيًا إذا صاحبها المنّ أو التشهير أو انتظار المديح والمقابل.

والساعون في قضاء حوائج الناس يزرعون الخير حيثما حلّوا، ويسهمون في نشر ثقافة التعاون والتكافل وبناء مجتمع تسوده الرحمة والألفة. وربما لا يشعر أحدهم بحجم الأثر الذي تركه في حياة من ساعده؛ فحاجة قُضيت اليوم قد تمنع أزمة غدًا، وكلمة إصلاح قد تحفظ أسرة، ويد تمتد إلى إنسان في لحظة ضعف قد تعيد إليه ثقته بالحياة والناس.

ومن هنا فإن ثقافة قضاء الحوائج ينبغي ألا تبقى مرتبطة بالمبادرات الكبيرة فقط. يستطيع كل واحد منا أن يسأل نفسه: ماذا أستطيع أن أفعل بما أملكه الآن؟ قد تكون لديك معرفة يحتاج إليها غيرك، أو وظيفة تستطيع أن تدل عليها باحثًا عن عمل، أو وقت تستطيع أن تمنحه لكبير سن، أو قدرة على الإصلاح بين متخاصمين، أو حتى كلمة تحفظ بها خاطر إنسان.

فإذا جعلك الله سبحانه وتعالى سببًا في قضاء حاجة إنسان، فاحمده على هذه النعمة، ولا تستصغر المعروف مهما بدا بسيطًا؛ فقد تكون أنت قادرًا على أمر عجز عنه غيرك، وقد تكون دقائق من وقتك بابًا لفرج انتظره إنسان طويلًا.

وقد ورد في الحديث:

«إن لله أقوامًا اختصهم بالنعم لمنافع الناس، يُقِرُّهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحوّلها إلى غيرهم».

وهذا المعنى يذكّر الإنسان بأن النعمة تزداد قيمة حين تتجاوز صاحبها لتصبح بابًا لنفع الآخرين.

والأجمل أن يتحول قضاء الحوائج من موقف عابر إلى منهج حياة: أن نبحث عما نستطيع تقديمه، وأن نبادر قبل أن يضطر المحتاج إلى تكرار طلبه، وأن نحفظ أسرار الناس وكرامتهم، وألا نجعل المعروف دينًا معنويًا نطالبهم بسداده يومًا.

فطوبى لمن كان مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، يسعى بين الناس بالإصلاح، ويقضي حوائجهم، ويجبر خواطرهم، ويحتسب ذلك كله عند الله تعالى.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نختم به ليس: كم من الخير نملك؟ بل: كم من الخير مرَّ بأيدينا إلى الآخرين؟

فالحياة قصيرة، وأجمل ما يبقى للإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه من مال، ولا ما ناله من جاه، وإنما أثر طيب تركه في حياة الآخرين، ويد امتدت بالخير، وقلب حمل الرحمة، ونفس سعت في قضاء حوائج الناس ابتغاءً لوجه الله.

أسأل الله أن يجعل لي ولكم في كل أمر يسرًا، وفي كل رزق بركة، وأن يرزقنا وإياكم نعيم الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا في الشدة صابرين وفي الرخاء شاكرين، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، ساعين في قضاء حوائج عباده، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

والصلاة والسلام على نبي الرحمة وخاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا المصطفى محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.