آخر تحديث: 23 / 9 / 2026م - 8:20 م

السيد موسى الزنجاني… عالمٌ عاش للعلم ورحل وبقي أثره

حين يرحل العلماء لا يغيب شخص فحسب، بل تُطوى صفحة من ذاكرة العلم، وتفقد المجالس صوتًا طالما علّم وناقش وحقق وربّى أجيالًا من طلاب المعرفة. غير أن العالم الحقيقي لا ينتهي برحيله؛ إذ يبقى في كتبه، وفي تلامذته، وفي منهجه، وفي المواقف الأخلاقية التي زرعها فيمن عاش معه أو نهل من علمه.

ومن هذه القامات العلمية الكبيرة موسى الشُّبَيْريُّ «الحُسَيْنِيُّ» الزَّنْجَانيُّ، الذي اقترن اسمه لعقود بالفقه والحديث وعلم الرجال والتراجم والأنساب، وعُرف في الأوساط الحوزوية بدقة التحقيق وقوة الذاكرة وسعة الاطلاع، إلى جانب التواضع والبساطة والابتعاد عن مظاهر الشهرة.

رحلة طويلة مع العلم:

وُلد السيد موسى الشبيري الزنجاني سنة 1928 م في مدينة قم المقدسة، ونشأ في بيئة علمية، فبدأ دراسته الحوزوية مبكرًا، وحضر عند عدد من كبار العلماء، وفي مقدمتهم السيد حسين البروجردي، كما ارتبط علميًا بحوزة النجف الأشرف ونهل من علوم كبار أعلامها، ومنهم السيد أبو القاسم الخوئي والسيد محسن الحكيم.

وقد ظهر نبوغه منذ سنوات شبابه، فكان من صغار السن بين الحاضرين في بعض دروس البحث الخارج، ثم انتقل بعد مراحل التحصيل إلى التدريس، وقضى عقودًا في تعليم طلاب الحوزة ومناقشة المسائل الفقهية والرجالية الدقيقة.

ولم يكن العلم عنده حفظًا للمعلومات، بل تحقيقًا ومقارنةً ومراجعةً مستمرة.

ذاكرة الرجال والأسانيد:

لعل أكثر ما ارتبط باسم السيد الشبيري الزنجاني بين طلابه ومعاصريه تلك الذاكرة الواسعة التي لم تكن تحفظ أسماء الرجال والكتب فحسب، وإنما تربط بين الراوي وطبقته وشيوخه وتلامذته وأسرته وبلده والنسخ التي ورد اسمه فيها.

كان علم الرجال من أبرز المجالات التي عُرف بها السيد الزنجاني، حتى ارتبط اسمه بقدرة لافتة على استحضار أسماء الرواة وطبقاتهم وشيوخهم وتلامذتهم وعلاقاتهم العلمية والأسرية.

ولهذا كان علم الرجال عنده علمًا حيًا، لا مجموعة أسماء جامدة في بطون الكتب.

وتُنقل عنه مواقف كثيرة في تصحيح أسماء الرواة والكشف عن التصحيفات التي وقعت في بعض النسخ، وهو أمر بالغ الأهمية؛ لأن اختلاف حرف أو اسم في سند الحديث قد يؤدي إلى الخلط بين شخصين، وقد ينعكس ذلك على تقييم الرواية نفسها.

وكثرة تداول هذه المواقف بين طلاب العلم تعكس حقيقة اشتهر بها السيد: الدقة الاستثنائية في التعامل مع النصوص والأسانيد.

الكتاب عنده لم يكن مجرد أوراق:

كان السيد الزنجاني من رجال الكتاب بالمعنى الحقيقي للكلمة.

كان شديد الاهتمام بالمخطوطات والنسخ القديمة، يتتبعها ويقارن بينها ويبحث عن النسخ النادرة، إيمانًا منه بأن تحقيق التراث يحتاج إلى الصبر، وأن الباحث لا ينبغي أن يكتفي بما بين يديه من الطبعات الحديثة إذا كان الطريق إلى الأصل لا يزال ممكنًا.

فالكتاب التراثي عنده لم يكن مادة تُقرأ ثم توضع على الرف، وإنما شاهدًا تاريخيًا ينبغي التحقيق في نسخه ومؤلفه وأسانيده وتحولاته عبر القرون.

وتُنقل عنه قصص في البحث الطويل عن المخطوطات والنسخ النادرة، والسؤال عنها لدى العلماء وأصحاب المكتبات والبيوتات العلمية، ثم مقارنة النسخ بعضها ببعض للوصول إلى النص الأقرب إلى الأصل.

وهذا اللون من التحقيق يكشف عن معنى مهم في شخصيته العلمية: الصبر على المعرفة.

فبعض المعلومات لا تُنال في دقائق عبر تقليب الصفحات، وإنما تحتاج إلى سنوات من التتبع والمقارنة والمراجعة.

العلم مسؤولية وانضباط:

ومن الصور الجميلة التي تُنقل عن حياته العلمية شدة انضباطه في التدريس واحترامه للطالب.

وتُروى عنه قصة حضوره إلى أحد دروسه في يوم شهدت فيه قم ثلوجًا كثيفة عطلت كثيرًا من الأعمال والدروس. ظن بعض الطلاب أن الدرس لن يُعقد، لكن السيد حضر في موعده، ولما وجد عددًا قليلًا من الطلاب، واصل درسه باهتمامه المعتاد.

وتحمل هذه الصورة معنى تربويًا كبيرًا: فالعلم لا تُحدد قيمته بكثرة الحاضرين، والطالب الواحد الذي جاء طالبًا للمعرفة له حق على أستاذه.

صيانة المجلس عن الإساءة:

كان العلم عند السيد الزنجاني مرتبطًا بالأخلاق ارتباطًا وثيقًا.

وتُنقل عنه مواقف كان يوقف فيها أي حديث يتجاوز مناقشة الرأي إلى الإساءة لصاحب الرأي. فالمجلس العلمي عنده مكان للبحث والمذاكرة والتقوى، وليس ساحة للطعن في الأشخاص.

وهذه خصلة جديرة بالتأمل؛ لأن الاختلاف العلمي لا يستوجب الخصومة، ونقد الرأي لا يعطي الإنسان حق الانتقاص من صاحبه.

كما عُرف باحترام النقد العلمي الموجه إليه. وتُنقل روايات عن تقديره لبعض الباحثين الذين ناقشوا آراءه، حتى عندما كان النقد قويًا؛ لأن غاية الباحث الحقيقي ليست الانتصار للنفس، بل الوصول إلى الحقيقة.

تواضع العالم:

على الرغم من مكانته العلمية، ارتبطت شخصية السيد الزنجاني في أذهان زائريه وطلابه بالبساطة.

وتُنقل عنه صور عديدة في الابتعاد عن البروتوكولات والمظاهر، والجلوس مع الناس بصورة طبيعية، وعدم الرغبة في أن تصنع المرجعية بينه وبينهم حاجزًا.

كما تُروى عنه مواقف في الجنائز والمجالس والأسفار كان يرفض فيها أن يُعامل معاملة استثنائية، مفضلًا السير والجلوس والصلاة بين عامة الناس.

إن التواضع هنا لم يكن كلمات تُقال، وإنما سلوكًا يوميًا؛ وكلما علت منزلة الإنسان العلمية ازداد شعوره بأن العلم مسؤولية وليس وسيلة للتميز على الآخرين.

فقه العصر واحترام التخصص:

ومن الملامح المهمة في منهجه إدراكه أن الفقيه قبل أن يحكم في المسألة المعاصرة يحتاج إلى تصور موضوعها تصورًا دقيقًا.

ولهذا كان، بحسب ما ينقله المقربون منه، يستمع إلى أصحاب الاختصاص عند بحث المسائل الطبية أو الاقتصادية أو غيرها من القضايا الحديثة.

فالطبيب يشرح حقيقة الموضوع الطبي، والاقتصادي يوضح طبيعة المعاملة المالية، ثم يأتي دور الفقيه في تطبيق القواعد الشرعية على الواقع بعد فهمه.

وهذا منهج يكشف عن التواضع العلمي أيضًا؛ إذ لا يدّعي العالم الإحاطة بكل التخصصات، بل يرجع في كل فن إلى أهله.

عالم الأنساب والذاكرة التاريخية:

وإلى جانب علم الرجال، كان السيد الزنجاني معروفًا باهتمامه بالأنساب، ولا سيما أنساب السادة والبيوتات العلمية.

وقد ساعدته ذاكرته الواسعة ومعرفته بالتاريخ والتراجم على الربط بين العائلات والعلماء والبلدان والهجرات، حتى أصبح مرجعًا يستفيد منه الباحثون في بعض القضايا التاريخية والرجالية المعقدة.

وهكذا لم يكن حفظه للأسماء غاية في ذاته، بل جزءًا من مشروع واسع لحفظ الذاكرة العلمية للحوزة.

قم والنجف… مدرسة واحدة في التحقيق:

مثلت قم والنجف في حياة السيد الزنجاني امتدادًا لمدرسة علمية واحدة تقوم على الفقه والأصول والحديث والرجال والتحقيق.

وقد عُرف بالتقدير المتبادل مع المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، وجمعت بينهما خلفية علمية حوزوية عميقة وعناية بالتراث والتحقيق، إلى جانب البعد عن التكلف الإعلامي.

وتُنقل أخبار عن لقاءات بينهما كان الحديث العلمي فيها حاضرًا بقوة، ولا سيما في المسائل التاريخية والرجالية والفقهية.

وهي صورة جميلة للعلاقة بين العلماء؛ إذ تتحول المجالس الخاصة إلى امتداد لمجلس الدرس، وتظل المعرفة حاضرة حتى خارج أوقات التدريس الرسمي.

روحانية بلا تكلف:

وكما كان دقيقًا في العلم، عُرف بالبساطة في التوجيه الروحي، والابتعاد عن الممارسات الغريبة وغير المأثورة.

وتُنقل عنه توصيات بالقرآن والدعاء والتوسل بأهل البيت والتوجه الصادق إلى الله تعالى.

فالطريق إلى الله، في هذا المنهج، لا يحتاج دائمًا إلى التعقيد؛ بل قد يبدأ بفاتحة تُقرأ بإخلاص، وآية كرسي، ودعاء صادق، وقلب خاشع متعلق بالله.

العالم والإنسان:

وربما يكون الجانب الأجمل في سيرة العالم أن تبقى إنسانيته حاضرة وسط الكتب والبحوث.

فتُنقل عن السيد الزنجاني عنايته ببعض المشكلات الاجتماعية والأسرية التي تصل إليه، ومحاولته الإصلاح بين المتخاصمين.

وهنا تتجاوز وظيفة العالم الإجابة عن سؤال «حلال أم حرام؟» إلى المساهمة في إصلاح المجتمع وتقريب القلوب.

فالفقه في جوهره ليس مجموعة أحكام مجردة، وإنما طريق لتنظيم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين.

ومن هنا نفهم لماذا كان إصلاح ذات البين يحتل مكانة عظيمة في الثقافة الإسلامية؛ لأن إنقاذ أسرة من التفكك أو إعادة المودة بين متخاصمين قد يترك أثرًا يمتد إلى أجيال.

بين هيبة العلم وجمال الخلق:

إن الصورة التي تقدمها سيرة السيد موسى الشبيري الزنجاني ليست صورة فقيه أو رجالي فحسب، بل صورة مدرسة تقوم على أركان متكاملة:

العلم الدقيق، والصبر في التحقيق، واحترام الاختصاص، وصيانة اللسان، وقبول النقد، والبساطة، والتواضع، والابتعاد عن طلب الشهرة.

وهذه الصفات هي التي تجعل العالم حاضرًا بعد غيابه؛ لأن الكتب قد تحفظ آراءه، ولكن الأخلاق تحفظ روحه في تلامذته ومحبيه.

وحين نقرأ سير العلماء، ينبغي ألا يكون هدفنا تعداد مناقبهم فقط، وإنما أن نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن نتعلم منهم؟

من السيد الشبيري نتعلم أن التفاصيل الصغيرة قد تغير نتيجة بحث كامل، وأن النقد ليس عداوة، وأن العلم يحتاج إلى صبر طويل، وأن المكانة لا تستوجب الترفع على الناس، وأن العالم كلما اتسعت معرفته أدرك مقدار ما يحتاج إلى التثبت والتواضع.

وهكذا تبقى حياة العلماء رسالة تتجاوز أعمارهم؛ فالجسد يغيب، والصوت يسكت، ومجلس الدرس ينفضّ، لكن الكلمة الصادقة والمنهج العلمي والخلق الكريم تستمر في حياة الآخرين.

فالإنسان قد يعيش عمرًا واحدًا، أما العالم الذي يزرع علمه في الأجيال، فإنه يعيش بأثره أعمارًا كثيرة.

ويبقى أثر العلماء:

إن القيمة الحقيقية للعالم لا تقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بمقدار العلم والخير الذي زرعه خلالها.

يبقى العالم في طالب تعلم منه الدقة، وفي باحث تعلم ألا يتسرع في الحكم، وفي مجلس تعلم أهله أن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وفي إنسان رأى أن العلم كلما ازداد ينبغي أن يزداد معه التواضع.

وهذه هي الرسالة الأجمل في سيرة السيد موسى الشبيري الزنجاني: العلم بلا أخلاق يفقد شيئًا من روحه، والمكانة بلا تواضع تفقد جمالها، والتحقيق بلا صبر لا يبلغ غايته.

رحم الله السيد موسى الشبيري الزنجاني رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وطلابه خير الجزاء، وحفظ الحوزات العلمية وعلماءها، وأدام على الأمة نعمة العلم والمعرفة، وجعل ما قدمه العلماء من تعليم وتحقيق وتربية في ميزان أعمالهم.

فالعالم قد يغادر مجلسه، ويسكت صوته، وتُغلق من بعده كتبه، لكن أثره يبقى حيًا في العقول والقلوب.

يرحل العلماء بأجسادهم… وتبقى مدارسهم تمشي بين الناس.

استشاري طب أطفال وحساسية