نهر الوعي ولعنة القالب: في فلسفة التغير وحرية المسار

تتردد عبر أروقة التاريخ صدى الكلمة الخالدة للإمام علي بن أبي طالب
: «لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»؛ لتشكل مدخلاً فلسفياً عميقاً يفكك وهم التملك التربوي، ويضع حداً لطغيان التوريث الفكري. إن الأخلاق الفاضلة والمبادئ الإنسانية النبيلة - كالصدق، والشجاعة، والأمانة، والكرم - تظل ثوابت في الفطرة السليمة، تشترك في التقديس لها كافة الحضارات والأديان. إلا أن وسائل التعبير عن هذه القيم، ومسارات الحياة التي تتجسد من خلالها، تخضع لسنّة التغير السرمدية.
تبدأ رحلة الإنسان بنبتة يغرسها الأبوان، وتتعهدها المدرسة والمجتمع بالرعاية، وهو سياق طبيعي لتنشئة الوجدان. بيد أن بلوغ سن النضج والوعي يمنح الفرد حقاً أصيلاً في رسم خريطته الوجودية المستقلة. فلو أراد الخالق سبحانه أن نكون نسخاً مكررة أو امتداداً قسرياً لغيرنا، لخلقنا متصلين أرواحاً وأجساداً. إن إقحام التجارب الشخصية للآباء في خيارات الأبناء - مهما بلغت النيات من النبل - غالباً ما يثمر شتاتاً؛ فالروح التي تتوق للتحليق في الآفاق كطبيعة الطيار، حين تُسجن في أروقة الطب نزولاً عند رغبة الأهل، لن تعطي سوى الاغتراب والأخطاء؛ لأنها تعيش في مكان لغيرها.
يُساق الكثيرون في مضمار الحياة نحو غايات لا تمثلهم، يطاردون سراباً لا يرونه، يُستهلكون فكراً وجسداً في أدوار فرضت عليهم. منهم من تداركه اليقظة متأخراً فيصلح المسار، ومنهم من يظل عالقاً في دوامة التيه حتى النهاية، وهو ما يجسد المأساة الكبرى للوجود البشري. ولا يقف هذا التحول عند الحدود المهنية، بل يتعداه إلى العلاقات الإنسانية والشراكات الزوجية؛ حيث يتفتح الوعي وتتبدل الرؤى، فيستنكر الطرف الآخر هذا التغير وكأن الفرد سلعة جامدة لا يحق لها التطور!
وكما قال الفيلسوف اليوناني هيراكليتوس في مقولته الشهيرة: «الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير»، الإنسان كائن متجدد، وتجلٍّ دائم للتحول، البيئة، والجسد، والفكر، كلها في مَدٍّ وَجَزْرٍ لا يتوقف.
ومن المأثور العربي قيل «كل زمان دولة ورجال» في إشارة إلى ضرورة المرونة والتدفق مع أطوار الزمان.
إن محاولة كبح التغيير أو فرض الوصاية على الكائن البشري تشبه محاولة حبس نهر جاري عن بساتين غنّاء؛ النتيجة حتماً هي الجفاف والموت.
فلنفسح المجال للأرواح كي تنمو وفق فطرتها، ولنروِ أرض التجدد لتزهر الحياة ثماراً غنية ومبتكرة.












