آخر تحديث: 22 / 9 / 2026م - 11:39 م

ربع الريال حقي… والضريبة حق عام

يوسف الطويل *


وقفت هذا الصباح عند أحد المخابز لأشتري فطوري.

كان سعر الخبزة ريالًا واحدًا.

مددت بطاقتي للدفع، فقال لي البائع:

نقدًا بريال… وبالبطاقة بريال وربع.

خمس وعشرون هللة فقط!

مبلغ صغير قد يقول معظمنا عنه:

لا بأس… ادفع وامضِ.

لكنني تساءلت:

لماذا أدفع أكثر لمجرد أنني استخدمت البطاقة؟

بحثت في الأمر، فوجدت أن الأنظمة المنظمة للمدفوعات لا تسمح بتحميل العميل رسومًا إضافية لمجرد استخدام البطاقة في الحالات التي تحظرها تلك الأنظمة.

وهنا لم تعد القضية عندي خمسًا وعشرين هللة.

فأنا قد أتنازل عنها وأقول: لا تستحق الجدال.

لكن ماذا لو تكررت العملية مع مئات الزبائن كل يوم؟

كل واحد منا يراها ربع ريال، لكن مجموع أرباع الريالات لم يعد مبلغًا صغيرًا.

ثم تذكرت موقفًا آخر حدث لي قبل مدة.

كنت أشتري ذهبًا، ووصل السعر بعد التفاوض إلى نحو اثني عشر ألف ريال.

ثم قيل لي:

إذا دفعت نقدًا، تأخذه بتسعة آلاف.

ثلاثة آلاف ريال فرق!

ولا أستطيع أن أتهم التاجر بشيء لمجرد وجود هذا الفرق؛ فقد يكون هناك خصم تجاري مشروع.

لكن من حقي أن أسأل:

لماذا يكون الفرق بهذا الحجم عند الانتقال من الدفع الإلكتروني إلى النقد؟

إذا كان الخصم حقيقيًا، والفاتورة نظامية، والعملية مسجلة بقيمتها الفعلية، والضريبة المستحقة محسوبة كما يجب، فلا مشكلة.

أما إذا كان العرض:

«ادفع نقدًا ولا نسجل العملية»

أو:

«نسجل مبلغًا أقل»

أو:

«ادفع نقدًا ونلغي الضريبة»

فهنا لم نعد أمام مجرد خصم.

نحن أمام عملية تخرج، كليًا أو جزئيًا، من الاقتصاد المسجل إلى الاقتصاد الخفي.

وقد لا يقتصر أثر ذلك على ضريبة لم تُحصّل، بل قد يعني مبيعات وإيرادات لا تظهر بحجمها الحقيقي، وبيانات لا تعكس النشاط الفعلي، وقد يمتد أثر ذلك إلى التزامات مالية وزكوية وضريبية أخرى، بحسب حالة المنشأة.

لكن السؤال الأهم عندي ليس عن التاجر وحده.

السؤال عني أنا… المستهلك.

لو كان الفرق ثلاثة آلاف ريال، فمن السهل جدًا أن أقول:

أين أقرب جهاز صراف؟

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

نحن نطالب بالأنظمة التي تحمينا كمستهلكين، وهذا حقنا.

نريد فاتورة تثبت شراءنا، وسعرًا واضحًا، وعملية مسجلة، ورقابة تمنع الغش، وجهة نرجع إليها إذا ضاع حقنا.

لكن المفارقة أن بعضنا يريد النظام عندما يكون في مصلحته، ثم يقبل بتجاوزه عندما يكون التجاوز في مصلحته أيضًا!

إذا أخذ التاجر مني خمسًا وعشرين هللة بغير حق، قلت:

هذا حقي… أين حماية المستهلك؟

لكن إذا عرض عليّ توفير مئات أو آلاف الريالات مقابل أن تخرج العملية من مسارها النظامي، فقد أوافق وأقول:

وفرت!

وهنا لا بد أن أسأل نفسي:

هل أريد النظام فعلًا… أم أريده فقط عندما يكون في صالحي؟

والأغرب أن كثيرًا من هذه الأنظمة وُضع أصلًا لتنظيم السوق وحماية المستهلك نفسه.

فإذا رضيت اليوم بإخفاء العملية لأن ذلك وفر لي المال، ثم اكتشفت غدًا غشًا في السلعة، أو وقع خلاف مع التاجر، أو أنكر البيع…

سأعود أنا نفسي أبحث عن الفاتورة والنظام والجهة التي تحميني.

والتهرب الضريبي في المملكة مخالفة يعاقب عليها النظام.

والمستهلك الذي يعلم أن العملية يجري إخفاؤها أو تسجيلها بصورة غير صحيحة، ثم يقبل بذلك لمصلحته، قد يظن أنه مجرد مستفيد من صفقة جيدة، بينما هو بسلوكه يساهم في استمرار معاملة غير نظامية.

وهنا عدت إلى خبزتي.

كنت في البداية أحاول حماية خمس وعشرين هللة من مالي.

ثم اكتشفت أن السؤال أكبر بكثير:

لماذا نتمسك بالنظام عندما يحمي جيوبنا، ثم نتساهل في تجاوزه عندما يوفر لنا المال؟

ربع الريال حقي… والضريبة حق عام.

لكن الأوسع من الاثنين:

نزاهة السوق حقنا جميعًا.

ولا يصح أن أطالب بالنظام عندما يحميني…

وأتعاون على تجاوزه عندما يوفر لي المال.