الزهايمر… حين بدأت أنسى

قبل نحو أحد عشر عامًا، وتحديدًا في عام 2015، كتبت عن مرض ألزهايمر بمناسبة اليوم العالمي لألزهايمر.
لم يكن الموضوع بالنسبة لي مجرد مادة صحية قرأت عنها، فقد عرفت مرض ألزهايمر عن قرب.
عرفته في والدي، رحمه الله.
رأيته يأخذ منه الأشياء شيئًا فشيئًا؛ الذاكرة أولًا، ثم تفاصيل أخرى من حياته وقدراته، حتى أصبح المرض جزءًا من حياة الأسرة كلها، لا حياة المريض وحده.
وطالت المعاناة، ثم رحل والدي إلى جوار ربه متأثرًا بالمرض.
مرت السنوات.
ثم بدأت أنا أنسى.
اسم يتأخر في الحضور.
معلومة أعرف أنني أعرفها، لكنها لا تأتي.
شيء أضعه في مكان، ثم أبحث عنه.
ومن عاش مع ألزهايمر في بيته لا ينظر إلى النسيان ببراءة كاملة.
كان هناك سؤال لا أحب أن أسأله:
هل بدأت أسلك الطريق نفسها؟
في عام 2018، كنت في شيكاغو مرافقًا لابنتي أثناء استكمال دراستها في التمريض، فقررت ألا أبقى أسير الشك.
راجعت مستشفى نورث وسترن ميموريال «Northwestern Memorial Hospital»، وخضعت لاختبارات للذاكرة والقدرات الذهنية، إضافة إلى تحاليل وفحوص.
وجاءت النتيجة.
لم يكن ألزهايمر.
كان لدي نقص حاد في فيتامين B12، بسبب نقص العامل الداخلي اللازم لامتصاصه بصورة طبيعية.
بدأت العلاج بحقن B12.
وكان التحسن، في تجربتي، واضحًا منذ الحقنة الأولى.
يومها تعلمت درسًا لم أنسه:
ليس كل نسيان دليلًا على ألزهايمر.
فللذاكرة أعداء كثيرون، وألزهايمر ليس عدوها الوحيد. قلة النوم، وبعض الأدوية، وبعض الاضطرابات الصحية، وحتى النقص الشديد في فيتامين B12 قد يؤثر في الذاكرة والتفكير.
ولهذا يبدأ التشخيص الجيد بسؤال بسيط:
هل نحن أمام ألزهايمر أصلًا، أم أمام شيء آخر؟
وهنا يقع خلط آخر شائع.
الخرف ليس اسمًا آخر لألزهايمر.
الخرف متلازمة تتراجع فيها القدرات المعرفية لدى الإنسان إلى درجة تؤثر في حياته اليومية واستقلاله، أما ألزهايمر فهو أحد الأمراض التي يمكن أن تؤدي إلى الخرف، وهو أكثرها شيوعًا.
بعبارة أبسط:
ليس كل خرف ألزهايمر، وليس كل نسيان خرفًا.
فالإنسان قد ينسى اسم شخص ثم يتذكره بعد قليل، أو يدخل غرفة ويتوقف لحظة متسائلًا: ماذا جئت أفعل هنا؟
هذا يحدث لنا جميعًا، وربما أكثر مع التقدم في العمر.
لكن الأمر يختلف عندما يتكرر النسيان ويبدأ في التأثير في الحياة اليومية.
كأن يكرر الإنسان السؤال نفسه بعد دقائق.
أن يضيع في طريق يعرفه منذ سنوات.
أن يجد صعوبة في إدارة أمواله بعدما كان يفعل ذلك بسهولة.
أن يعجز عن أداء مهمة اعتاد عليها.
أو أن يبدأ أهله في ملاحظة تغير لم يكن هو نفسه يلاحظه.
هنا لا يعود السؤال: هل أنسى؟
بل: هل طرأ تغير حقيقي على قدرتي على ممارسة حياتي؟
وهنا تبدأ أهمية الفحص.
واللافت أن فهمنا لألزهايمر لم يعد كما كان عندما كتبت عنه عام 2015.
ليس لأن العلماء وجدوا له علاجًا شافيًا، فهم لم يفعلوا بعد، بل لأنهم أصبحوا قادرين على رؤيته أبكر وبصورة أوضح. لم يعد التشخيص قائمًا فقط على اختبارات الذاكرة وملاحظات الأسرة، بل أصبح من الممكن، في حالات معينة، الكشف عن مؤشرات المرض في الدماغ والسائل الدماغي الشوكي، وحتى في الدم.
وتغير العلاج أيضًا.
ظهرت أدوية تستطيع إبطاء تقدم المرض لدى بعض المصابين في مراحله المبكرة.
لا تشفي ألزهايمر.
ولا تعيد ما فقدته الذاكرة.
وليست مناسبة لكل مريض.
لكنها تمثل انتقالًا مهمًا من مجرد التعامل مع الأعراض إلى محاولة التأثير في مسار المرض نفسه.
ومع كل ما تغير في الطب، بقي الوجه القاسي للمرض كما عرفته الأسر منذ زمن.
فألزهايمر في مراحله المتقدمة لا يعود مشكلة ذاكرة فقط. قد يفقد الإنسان تدريجيًا قدرته على الكلام والحركة وتناول الطعام والعناية بنفسه، حتى يصبح معتمدًا على الآخرين اعتمادًا شبه كاملًا.
ولهذا فإن المريض ليس وحده من يعيش المرض.
الأسرة تعيشه أيضًا.
قد يتذكرك اليوم، ويعجز غدًا عن استحضار اسمك.
وقد يغضب منك لأنك تمنعه من الخروج، بينما أنت لا تفعل سوى محاولة حمايته.
وهنا يتحول الحب نفسه إلى شكل آخر من المسؤولية.
ولهذا، حين خفت بعد سنوات أن تكون مشكلتي مع الذاكرة بداية الطريق نفسها، لم أكن أخشى مرضًا قرأت عنه.
كنت أعرف إلى أين يمكن أن يصل.
تجربتي علمتني أن الخطأ يقع في طرفين:
أن نفسر كل نسيان على أنه بداية ألزهايمر.
أو أن نهمل تغيرًا حقيقيًا ونقول: «هذا طبيعي مع العمر».
بين الاثنين مساحة اسمها التشخيص.
فقد يكون وراء النسيان سبب يمكن علاجه، كما حدث معي.
وإن كان ألزهايمر هو السبب، فإن تشخيصه مبكرًا أصبح اليوم أكثر أهمية مما كان عليه قبل عشر سنوات.
الذاكرة قد تخوننا أحيانًا.
لكن لا ينبغي أن نترك الخوف يجيب قبل الطبيب.
يُحكى أن شيخين كانا يتحدثان عن التقدم في العمر.
قال الأول لصاحبه:
«يقولون إن للكبر ثلاث علامات: أولها ضعف البدن، والثانية النسيان…»
انتظر صاحبه قليلًا ثم سأله:
«والثالثة؟»
نظر إليه الشيخ مستغربًا وقال:
«ثالثة ماذا؟»












