آخر تحديث: 18 / 10 / 2026م - 1:32 م

من كيس أبوه، وعلى حسابه… جواز العبور بالنسب؟!

يعقوب السليس *


كان الحديث يدور حول شاب أخطأ خطأً واضحاً في صفقة تجارية. أخلّ بوعده مع شريك أصغر منه سناً ونفوذاً، وتأخر عن استحقاق مالي متعمداً وهو قادر عليه.

توقعت أن يعلو صوت الاستنكار، فإذا بأحد الحاضرين، بابتسامة تشبه الاعتذار المسبق، يقول:

«خله… أبوه رجال طيب، رحمه الله. أطعم نص البلد وساعد ناس ما تتوقعها».

صمت الجميع.

لا أحد أنكر الخطأ، ولا أحد طالب بحق الشريك المتأخر. انفضّ المجلس، وخرج الشاب وكأن شيئاً لم يكن.

تأملت المشهد بعدها بأيام وسألت نفسي: ما الذي حدث هنا بالضبط؟

لم يكن الشاب صادقاً، ولم يكن الخطأ صغيراً، لكن اسم أبيه، رحمه الله، تدخّل كضامن غير مرئي. امتصّ الغضب، وأجّل المساءلة، وربما ألغاها تماماً.

هذه هي الظاهرة التي أسميها «الرصيد الأخلاقي الموروث».

أب يبني، على مدى أربعين سنة من العمل والصدق والكرم، سمعة طيبة يعرفها القاصي والداني، ثم يأتي الابن فيرث الاسم والعلاقات، ويرث - وهذا الأخطر - تردد الناس في مواجهته.

وكأن اسم العائلة أصبح حساباً مصرفياً مشتركاً: الأب أودع فيه طوال عمره، والابن يسحب منه دون أن يكون قد أودع فيه ريالاً واحداً.

حساب باسمين ورصيد واحد

يساعدنا عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في فهم جانب من هذه الظاهرة من خلال مفهوم «رأس المال الرمزي» «Symbolic Capital».

فالمال ليس وحده رأس مال. السمعة، والاسم المعروف، والتقدير الاجتماعي، وشبكة العلاقات، كلها قد تتحول إلى قوة حقيقية تفتح الأبواب وتمنح صاحبها مكانة ونفوذاً.

ومن هنا لا يبدأ ابن الرجل المعروف من النقطة نفسها التي بدأ منها أبوه.

الأب ربما احتاج سنوات حتى يثق الناس بكلمته، أما الابن فقد يحصل على الثقة منذ اللقاء الأول. الأب بنى علاقاته شخصاً شخصاً، أما الابن فيدخل مجلساً لا يعرف نصف من فيه، بينما نصفهم يعرفون من يكون أبوه.

وهذا ليس عيباً في ذاته.

السمعة الطيبة إرث جميل، وربما تكون من أنبل ما يتركه الإنسان لأبنائه. المشكلة تبدأ عندما يتحول الإرث من مسؤولية يجب المحافظة عليها إلى امتياز يمكن الإنفاق منه.

حينها لا يعود السؤال: ماذا فعل هذا الشاب؟

بل يصبح: ابن مَن هذا الشاب؟

وهنا تبدأ المشكلة.

الهالة التي تنتقل مع الاسم

علم النفس يعطينا مفتاحاً آخر لفهم ما يحدث، هو «تأثير الهالة» «Halo Effect».

حين نكوّن انطباعاً إيجابياً قوياً عن شخص، تميل عقولنا إلى السماح لهذا الانطباع بالتسلل إلى أحكام أخرى لا نملك بالضرورة دليلاً عليها.

لكن ما يحدث اجتماعياً أحياناً أكثر إثارة: الهالة لا تبقى حول صاحبها، بل قد تمتد في أذهان الناس إلى اسمه وعائلته.

نسمع: «هذا ولد فلان».

فتدخل إلى المجلس، قبل الابن نفسه، سيرة أبيه: كرمه، صدقه، مواقفه، مساعداته للناس.

فنبدأ التعامل معه من رصيد إيجابي لم يصنعه هو.

وفي علم النفس السلوكي مفهوم قريب يسمى «الترخيص الأخلاقي» «Moral Licensing»: حين يمنح التاريخ الجيد صاحبه شيئاً من التساهل مع نفسه لاحقاً، وكأن حسناته السابقة صنعت له رصيداً يسمح ببعض السحب.

وفي حالتنا يحدث شيء أشد غرابة: الرصيد جمعه الأب، لكن الابن يتصرف أحياناً وكأن دفتر الحساب انتقل إليه مع الاسم.

والأغرب أننا نحن من نسمح له بالسحب.

حين نقول: «معلش، أبوه رجل طيب».

أو: «خلوها عشان خاطر أبوه».

أو الجملة الأخطر:

«ما نبي نكسر خاطر أهله».

وهكذا يتحول احترام الأب، من حيث لا نشعر، إلى حصانة للابن.

حين يبدأ الرصيد بالنفاد

المشكلة أن السمعة، مهما عظمت، ليست مورداً لا ينضب.

قد تحتمل خطأً، وربما تحتمل خطأين وثلاثة. وقد تجعل الناس يصبرون أكثر مما كانوا سيصبرون على شخص آخر.

لكن كل مرة يُستدعى فيها اسم الأب لتغطية خطأ الابن، يُسحب شيء من ذلك الرصيد.

وهنا تقع مفارقة مؤلمة:

الأب قضى عمره يبني اسمه، ثم أصبح اسمه بعد وفاته يُستخدم لحماية تصرفات ربما كان هو أول من سيرفضها.

وقد يكون أكثر الناس إساءة إلى إرث الأب هم أولئك الذين يظنون أنهم يحفظونه حين يصمتون عن ابنه.

فالسمعة لا تُورث بالطريقة التي تُورث بها الأرض والعقار والمال.

يمكنك أن تورث ابنك الاسم، لكنك لا تستطيع أن تورثه الاستحقاق.

حين يصبح الرصيد دَيناً

لكن للاسم الكبير وجهاً آخر أقل راحة.

فالابن لا يرث من سمعة أبيه امتيازاً فقط؛ أحياناً يرث معها معياراً مرتفعاً يُحاسَب عليه قبل أن يصنع معياره بنفسه.

يظهر ذلك بوضوح حين يكون الأب رجل أعمال ناجحاً ويدخل الابن المجال نفسه. منذ اليوم الأول لا تبدأ المقارنة بين الابن وأقرانه، بل بينه وبين أبيه بعد ثلاثين أو أربعين سنة من الخبرة.

فإذا نجح قيل: «جيد… لكن ليس مثل أبيه».

وإذا تعثر قيل: «هذا وأنت ولد فلان؟».

وإذا تأخرت النتائج، لم يُمنح دائماً الوقت الذي مُنح لأبيه حين كان يبدأ من الصفر.

لكن الأمر يصبح أشد حين يكون الأب شيخاً أو رجل دين أو شخصية عُرفت بالصلاح والاستقامة. هنا لا يحتاج الابن حتى إلى أن يسلك طريق أبيه المهني؛ فالاسم يتبعه أينما ذهب.

زلة صغيرة قد تمر من أحد أقرانه بلا تعليق، تصبح منه حدثاً يستدعي الاستغراب:

«كل هذا يطلع من ولد الشيخ فلان؟!».

وقد يُطلب منه من الوقار والانضباط وحسن السلوك ما لا يُطلب من أصدقائه في العمر نفسه، لا بسبب شيء فعله، بل بسبب شيء فعله أبوه قبله.

وهكذا يجد الابن نفسه في مفارقة غريبة: حين يحتاج الناس إلى تبرير خطئه يقولون: «خلوه عشان أبوه»، وحين يريدون محاسبته يقولون: «هذا وأنت ولد فلان؟».

الاسم نفسه الذي يمنحه مساحة إضافية للخطأ قد يحرمه أحياناً من أبسط مساحة للخطأ.

وهنا يتحول الرصيد الذي فتح له الأبواب إلى دَين يطارده داخلها. فالاسم يمنحه ثقة لم يكسبها، لكنه يحمّله أيضاً توقعات لم يصنعها.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأعدل في الحكاية كلها:

بعض الأبناء يرثون من آبائهم رصيداً، وبعضهم يرثون فاتورة… وبعضهم يرث الاثنين معاً.

وإذا كان الاسم قد يمنح صاحبه امتيازاً مرة، ويحمّله عبئاً مرة أخرى، فهناك معيار ثالث لا يعترف بالاسم أصلاً: العمل.

لا جواز عبور بالنسب

ولعل من أبلغ الصور التي تفصل بين النسب والعمل قصة نوح مع ابنه.

حين جاء الطوفان ورأى نوح ابنه في معزل، ناداه نداء الأب:

﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَعَنَا وَلَا تَكُن مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ .

لكن الابن رفض واختار طريقه:

﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ .

فحال بينهما الموج وكان من المغرقين.

ثم يأتي المشهد الذي يلخص فكرتنا كلها.

قال نوح:

﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ .

فجاء الجواب:

﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ .

لم ينف القرآن حقيقة النسب، وإنما فصل بين رابطة النسب ومعيار العمل.

كان أبوه نبياً، وكانت السفينة أمامه، وكان النداء موجهاً إليه مباشرة، ومع ذلك لم يكن اسم «ابن نوح» تذكرة صعود إلى السفينة.

وهذه، في نظري، واحدة من أقسى الصور القرآنية في هدم وهم الرصيد الموروث:

يمكن أن ترث الاسم، لكنك لا ترث العمل.

وإذا كان ابن نبي لم تنقذه مكانة أبيه، فمن أين جاء ابن الوجيه أو الثري أو صاحب المنصب بفكرة أن اسم أبيه ينبغي أن يفتح له الأبواب ويغلق أفواه الناس؟

من يحمي الرصيد؟

المفارقة أن حماية سمعة الأب لا تكون بالصمت عن أخطاء أبنائه، بل ربما بالعكس تماماً.

فالوفاء الحقيقي لرجل عاش معروفاً بالاستقامة ليس أن نقول لابنه كلما أخطأ: «خله عشان أبوه».

بل أن نقول له:

«عشان أبوك… لا تسوي كذا».

هنا فقط يصبح اسم الأب رقيباً لا غطاءً، ومسؤولية لا امتيازاً.

فالابن الذي يرث اسماً كبيراً لا يبدأ حياته فقيراً من الرصيد الاجتماعي. لقد حصل بالفعل على شيء ثمين لم يتعب في جمعه: ثقة الناس.

لكن هذه الثقة ليست ملكاً خالصاً له.

إنها، في البداية على الأقل، قرض حسن من سيرة أبيه.

إما أن يسدده بأفعاله ويضيف إليه، وإما أن يعيش يسحب منه حتى يأتي يوم يكتشف فيه أن الحساب أصبح صفراً.

والأسوأ من إفلاس الحساب أن يبقى الناس يتذكرون مَن كان أول من ملأه.

على الهامش...

من نوادر جحا أن ابنه سُئل:

«ما الباذنجان؟»

فقال:

«هو ولد الجاموسة الذي لم يفتح عينيه بعد».

فصاح جحا متعجباً:

«إنه ابني حقاً! والله ما علّمه أحد هذا الجواب السديد!».