هاتفي لا يحتاج أن يتنصّت عليّ
كيف تغيّرت حدود الخصوصية في عصر الأجهزة الذكية؟

كنا كعادتنا في جلستنا الأسبوعية مع إخوتي، نتجاذب أطراف الحديث أنا وأخي أبو رضا، وننتقل من موضوع إلى آخر، حتى وصل الحديث بنا إلى رحلته الأخيرة إلى أوروبا، وتجربته وما رآه فيها من مدن وبلدات.
وفي لحظة عابرة ذكر اسم إنترلاكن السويسرية، تلك المدينة السياحية الواقعة بين بحيرتي ثون وبرينز، والمحاطة بجبال الألب. مضى في حديثه، ولم أتوقف أنا أيضًا كثيرًا عند الاسم.
لكن بعد دقائق معدودة، وبينما كنت أتصفح هاتفي بلا قصد، فتحت تطبيق «جوجل»، فإذا بإعلان يظهر أمامي عن مكان إقامة… في إنترلاكن نفسها.
توقفت عن التمرير.
نظرت إلى الإعلان، ثم رفعت عيني إلى أخي: «شوف وش طلع لي؟»
لم أكن قد بحثت عن إنترلاكن، ولا كتبت اسمها في محرك بحث، ولا فتحت صفحة عنها. كل ما حدث أنني كنت جالسًا أستمع إلى أخي وهو يتحدث عنها.
فهل كان هاتفي، فعلًا، يتنصّت علينا؟
لست وحدي من طرح هذا السؤال. لا بد أن كثيرين مروا بتجربة شبيهة: تتحدث عن سلعة فتبدأ إعلاناتها بملاحقتك، وتذكر مطعمًا فيظهر أمامك، أو تتناقش في وجهة سفر ثم تفاجأ بعروض الفنادق والطيران وكأن شخصًا في مكان ما كان يصغي إلى الحديث.
والتفسير الجاهز دائمًا: الهاتف يسمعنا.
لكن المسألة أعقد من ذلك. وربما، وهذا ما أثار فضولي أكثر، لا يحتاج الهاتف أصلًا إلى أن يسمعنا حتى يعرف عنا الكثير.
لو كانت شركات التقنية تسجل محادثات مليارات البشر على مدار الساعة، ثم ترسلها وتحولها إلى بيانات وتحللها بحثًا عن كلمات تصلح للإعلانات، لكانت العملية ضخمة تقنيًا واقتصاديًا، فضلًا عن كونها فضيحة خصوصية يصعب إخفاؤها طويلًا.
والأهم أن أنظمة الإعلان الحديثة لا تحتاج، في الغالب، إلى فعل ذلك أصلًا.
البعرة تدل على البعير: نحن نترك وراءنا طوال اليوم آثارًا رقمية صغيرة؛ المواقع التي نزورها، وعمليات البحث، والتطبيقات التي نستخدمها، والإعلانات التي نتفاعل معها، والأماكن التي نذهب إليها عندما تكون خدمات تحديد الموقع أو الوصول إليه مفعّلة في إعدادات الجوال.
كل معلومة بمفردها قد تبدو تافهة. لكن ضع مئات أو آلافًا منها إلى جوار بعضها، وستبدأ ملامح شخص بالظهور: اهتماماته، عاداته، الأماكن التي يرتادها، المنتجات التي يفضلها، وربما الأشياء التي يُحتمل أن يفكر في شرائها لاحقًا.
وهذه، في رأيي، هي قوة الاقتصاد الرقمي الحقيقية: لم تعد الشركات بحاجة إلى أن تعرف كل ما تقوله؛ يكفيها أن تعرف ما تفعله.
هذا لا يعني أن مخاوف الميكروفون خيالية تمامًا. فالمساعدات الصوتية صُممت للاستجابة لعبارات تنشيط محددة «هيه سيري، أوك قوقل»، وقد يفسّر الجهاز أحيانًا كلامًا عاديًا على أنه تلك العبارة فيتفعّل بالخطأ، وهي ظاهرة موثّقة تقنيًا، وإن كانت محدودة النطاق. لكن وجود هذا الاحتمال شيء، والقول إن الهاتف يسجّل سرًا جميع محادثات صاحبه لتوجيه الإعلانات إليه شيء آخر تمامًا.
لذلك، فإن ظهور إعلان يتطابق مع حديث دار قبل دقائق ليس دليلًا، بمفرده، على أن الهاتف سجّل المحادثة.
تخيل أنك تفكر في السفر. تبحث عن تذاكر طيران، ثم تطلع على طقس مدينة ما، وتفتح الخرائط، وتشاهد مقطعًا عنها، ثم تبحث عن فندق وترسل رابطه إلى شخص تستشيره.
بالنسبة إليك، ربما تكون هذه تصرفات منفصلة. أما بالنسبة إلى نظام تحليل بيانات، فهي إشارات يمكن جمعها في سياق واحد.
لم تقل للخوارزمية: «أنا أخطط للسفر».
لكن سلوكك قال ذلك نيابة عنك.
وهذا هو الفارق الكبير بين الإعلان التقليدي والإعلان الرقمي. الأول كان يضع لوحة على الطريق وينتظر أن يمر أمامها الشخص المناسب. أما الثاني فيحاول معرفة من هو الشخص المناسب قبل أن يعرض عليه الإعلان.
بل إن الأمر لا يقف عند سؤال: ماذا تحب؟
السؤال الأكثر قيمة تجاريًا هو: ماذا يُحتمل أن تريد بعد قليل؟
نعود إلى إنترلاكن.
لا أستطيع أن أجزم أيًا من الاحتمالات التالية هو ما حدث فعلًا، لكنها جميعًا ممكنة تقنيًا، ولا يحتاج أي منها إلى ميكروفون:
ربما كنا متصلين بالشبكة اللاسلكية نفسها في تلك الجلسة، وبعض أنظمة الإعلان تربط بين الأجهزة القريبة جغرافيًا والمتصلة بالشبكة نفسها. أو ربما كان أخي قد بحث عن إنترلاكن أو حجز فيها من قبل، وتشترك عائلتنا في بعض إعدادات الموقع أو الأجهزة. أو ربما كان نشاطي السابق حول أوروبا والسفر كافيًا لأن يضعني النظام ضمن فئة عامة من «المهتمين بالسفر»، فظهر إعلان إنترلاكن كمثال عشوائي ضمن تلك الفئة، لا استهدافًا دقيقًا لحديثي بالذات.
أيًّا كان التفسير الدقيق، فالمبدأ واحد: الموقع والتوقيت وسجل النشاط والاهتمامات السابقة إشارات يمكن أن تُبنى منها استنتاجات، دون أن يسمعك أحد.
وهنا نصل إلى كلمة أعتقد أنها أهم في هذا النقاش من كلمة «التنصّت»:
الاستدلال.
والمشكلة ليست دائمًا في كل معلومة على حدة، بل فيما يحدث عندما تجتمع المعلومات وتتحول إلى صورة أكثر تفصيلًا مما نتخيل.
وهذا التدرّج نفسه، من بيانات نُنتجها بأفعالنا الظاهرة، إلى بيانات أعمق قد يُستدل عليها من أنماطنا، هو ما يجعلني أطرح سؤالًا أبعد: ماذا لو لم تعد البيانات التي تُجمع عنّا مقتصرة على ما نفعله بأصابعنا على الشاشة، بل امتدت إلى ما تنتجه أجسادنا نفسها؟
هناك جهاز أصغر من الهاتف، لكنه قد يكون في المستقبل أكثر التصاقًا بأجسادنا: سماعة الأذن.
فالأذن موقع مناسب لالتقاط بعض الإشارات الحيوية؛ السماعة تلامس الجلد، وتبقى في موضع ثابت نسبيًا، ويمكن دمج مستشعرات صغيرة فيها دون أن تبدو كجهاز طبي.
وهنا تظهر وثيقة مثيرة للاهتمام سجلتها شركة أبل. ففي يوليو 2023 نُشر طلب براءة اختراع أميركي يحمل الرقم US20230225659A1 بعنوان «جهاز استشعار الإشارات الحيوية باستخدام الاختيار الديناميكي للأقطاب الكهربائية». تصف الوثيقة جهازًا قابلًا للارتداء يمكن أن يأتي في صورة سماعة أذن «إيربود» أو سماعة رأس، مزودًا بأقطاب يمكن الاختيار بينها للحصول على إشارات حيوية. ومن بين أنواع القياسات المذكورة EEG وEMG وEOG وECG وGSR وBVP. وبعيدًا عن غابة الاختصارات الطبية، نحن نتحدث عن أنواع مختلفة من النشاط الكهربائي والفسيولوجي المرتبط بالدماغ والعضلات والعين والقلب والجلد والدورة الدموية.
وتتحدث الوثيقة تحديدًا عن إمكانية التقاط إشارات EEG مرتبطة بالنشاط الكهربائي للدماغ بواسطة أقطاب داخل الأذن أو حولها. ويمكن الاطلاع على وثيقة البراءة نفسها عبر Google Patents.
وهنا لا بد من وضع خط عريض تحت نقطة مهمة: هذا طلب براءة اختراع، وليس إعلانًا بأن سماعات AirPods الموجودة في آذان الناس اليوم تقيس نشاط أدمغتهم. براءات الاختراع تحمي أفكارًا وتقنيات محتملة، وكثير منها لا يصل أصلًا إلى منتج تجاري. لذلك لا يوجد في هذه الوثيقة ما يبرر القول إن أبل تجمع حاليًا بيانات دماغ مستخدمي AirPods.
لكن أهمية البراءة، بالنسبة لي، ليست في إثبات وجود منتج معين، بل في الاتجاه الذي تشير إليه: الحدود بين الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية وأجهزة الاستشعار الحيوي بدأت تصبح أقل وضوحًا.
حتى الآن، معظم المخاوف التي نعرفها تتعلق ببيانات نصنعها نحن: رسالة نكتبها، وصورة نلتقطها، وموقع نزوره، وعبارة نبحث عنها، ومنتج نشتريه.
لكن الأجهزة القابلة للارتداء، «سماعة أذن، ساعة»، تستطيع أن تضيف طبقة مختلفة: نبض القلب، والحركة، والاستجابة الجلدية، والإشارات العضلية، وربما بعض الإشارات المرتبطة بالنشاط الكهربائي للدماغ.
الأولى معلومة أعطيتها للجهاز.
أما الثانية فهي معلومة أنتجها جسدي.
وهذا يقود إلى سؤال لم نكن مضطرين إلى التفكير فيه قبل سنوات قليلة:
من يملك بيانات جسدي؟
هنا أيضًا يجب مقاومة الإغراء الصحفي بالمبالغة.
إن EEG ليس جهازًا لقراءة الأفكار كما نراها في أفلام الخيال العلمي. هو قياس للنشاط الكهربائي الناتج عن نشاط مجموعات من الخلايا العصبية، ولا يحول الأفكار التي تدور في رأس الإنسان إلى نص يستطيع شخص آخر قراءته. وبراءة أبل المذكورة لا تقول إن السماعة ستعرف الجملة التي يفكر بها صاحبها.
لكن هذا لا يلغي السؤال الأكثر واقعية: ما الذي يمكن أن تستنتجه الخوارزميات مستقبلًا من البيانات العصبية والحيوية إذا أصبحت تجمعها بصورة مستمرة؟
ربما تكون الإجابات ذات قيمة هائلة في الصحة والرياضة ومراقبة النوم وغيرها. وهذا هو الوجه المفيد والمثير للتقنية.
لكن كلما ازدادت حساسية البيانات، ازدادت في المقابل أهمية أسئلة أخرى: أين تُخزن؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وكم من الوقت تحتفظ بها الشركة؟ وهل تستخدم للغرض الذي وافق عليه صاحبها فقط، أم يمكن ربطها لاحقًا ببيانات أخرى؟
هذه، في رأيي، هي أسئلة الخصوصية القادمة.
اعتدنا أن نتعامل مع الخصوصية بطريقة بسيطة: ضع كلمة مرور قوية، اقفل هاتفك، لا تعطِ تطبيقًا مجهولًا صلاحية الميكروفون، وأوقف الموقع عندما لا تحتاج إليه.
كل ذلك مهم، لكنه لم يعد كافيًا لفهم القضية.
الهاتف يحمل بيانات عن نشاطك وموقعك، والساعة تقيس مؤشرات من جسمك، والسماعة تتعامل مع صوتك، والتطبيقات تعرف جوانب مختلفة من سلوكك. ليست المشكلة أن جهازًا واحدًا يعرف كل شيء عنك؛ المشكلة الحقيقية قد تبدأ عندما تستطيع منظومة كاملة جمع أشياء صغيرة متفرقة وتحويلها إلى صورة كبيرة.
ولهذا، عندما تظهر أمامنا ميزة تقنية جديدة، ربما علينا ألا نسأل فقط: «ماذا ستقدم لي؟» بل أن نضيف سؤالًا آخر: «ما الذي يجب أن تعرفه عني لكي تقدم لي هذه الميزة؟» — وإذا كان الجواب يمسّ بيانات جسدي لا سلوكي فقط، فهل كنت لأوافق لو طُلب مني ذلك صراحة، أم أن موافقتي جاءت فقط لأن أحدًا لم يسألني بهذا الوضوح، ولأنها كانت ضمن الشروط والأحكام التي كانت بخط صغير جدًّا يحتاج إلى عدسة مكبّرة لقراءته، والتي ضغطت على زر «أوافق» ضمن تحديثات الجهاز أو الميزة ذاتها.
حتى الآن، لا أملك يقينًا تامًا بأيّ الاحتمالات التي ذكرتها هو الذي فسّر ظهور ذلك الإعلان على وجه التحديد.
لكنني خرجت من الحادثة بسؤال مختلف تمامًا عن السؤال الذي بدأت به.
في البداية كنت أسأل: هل هاتفي يسمعني؟
أما الآن فالسؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: ما الذي يعرفه عني أصلًا حتى لا يحتاج إلى سماعي؟
فالقضية ليست أن لدينا أسرارًا خطيرة نخشى انكشافها. هناك أشياء تخصنا ببساطة، ومن حقنا أن نعرف من يجمعها، ولماذا، وأن نقرر متى نشاركها ومع من.
ومع انتقال التقنية من جمع ما نكتبه ونبحث عنه إلى القدرة على قياس المزيد مما تنتجه أجسادنا من إشارات، ستصبح الخصوصية أكبر من مجرد كلمة مرور أو زر لإيقاف مشاركة الموقع.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد كل ذلك هو: إذا كان الهاتف يستطيع أن يعرفنا دون أن يسمعنا… فماذا سيحدث عندما تبدأ أجهزتنا أيضًا في قياسنا؟
شكا رجل لصديقه قائلًا:
«أحس أن جوالي يتجسس عليّ ويعرف عني كل شيء!»
فرد عليه صاحبه مطمئنًا:
«يا رجال لا تشيل هم… إنت أصلًا وش عندك يتجسسون عليه؟»
ضحك الرجل وقال:
«هههههه مو هذا اللي مخوفني…»












