بين الترند والوعي.. فاصلة

لم تعد الشهرة في زمن المنصات الرقمية تحتاج دائمًا إلى موهبة استثنائية، أو فكرة تستحق أن تُروى، أو رسالة تستحق أن تصل. أحيانًا يكفي مقطع عابر، أو تصرف غريب، أو تقليد يتكرر، حتى يولد «ترند» يجتاح الشاشات في ساعات. وهنا تحديدًا تبدأ المسافة الدقيقة بين الترفيه والابتذال، وبين المشاركة والانسياق، وبين أن نصنع حضورًا له معنى، وأن نكون مجرد نسخة أخرى في طابور طويل من المقلدين.
المشكلة ليست في الترفيه؛ فالإنسان يحتاج إلى الضحك والتسلية والخروج من ضغوط الحياة، ولا ينبغي أن نحمّل كل ما يُنشر رسالة ثقافية أو معرفية. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الظهور غاية في ذاته، وحين يُقاس النجاح بعدد المشاهدات لا بقيمة ما يُقدَّم، ويتحول السؤال من: «ماذا لدي لأقوله؟» إلى: «ماذا أفعل كي يشاهدني أكبر عدد ممكن؟».
عندها يصبح التقليد أسرع الطرق إلى الضوء، حتى لو كان ما يُقلَّد فارغًا أو محرجًا أو متعارضًا مع الذوق والقيم. وما إن ينجح شخص في جذب الأنظار بسلوك ما، حتى تتوالى النسخ منه، وكأن كثرة المقلدين تمنح الفكرة قيمة لم تكن تملكها في الأصل.
ولعل أخطر ما في بعض «الترندات» أنها لا تكتفي بإنتاج محتوى عابر، بل تصنع مع الوقت حالة من الاعتياد. فما كان مستغربًا بالأمس يصبح مألوفًا اليوم، وما كان يثير الاستهجان قد يتحول غدًا إلى مادة للتقليد. وبين المشاهدة والمشاركة وإعادة النشر، قد تتراجع مساحة السؤال والنقد أمام رغبة الإنسان في ألا يبقى خارج دائرة الاهتمام.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: المحتوى الجاد يحتاج غالبًا إلى معرفة وجهد ووقت حتى يُصنع، كما يحتاج إلى قدر من التركيز حتى يُستقبل، بينما يستطيع محتوى شديد السطحية أن يختصر الطريق كله في ثوانٍ معدودة. وفي عالمٍ أصبحت فيه المنافسة على جذب الانتباه شديدة، تصبح المنافسة بينهما غير متكافئة؛ فالأسرع ليس بالضرورة الأفضل، والأكثر مشاهدة ليس بالضرورة الأكثر قيمة.
ولا يمكن إعفاء بعض مشاهير المنصات من جانب من المسؤولية. فمن يمتلك جمهورًا واسعًا لا يمتلك أرقامًا فحسب، بل يمتلك قدرة على التأثير وصناعة التقليد. وحين تُستخدم هذه القدرة في إعادة إنتاج السطحية لمجرد حصد التفاعل، فإن المسألة تتجاوز صاحب المقطع لتصبح جزءًا من ثقافة رقمية يتلقاها آلاف وربما ملايين الأشخاص.
لكن المسؤولية لا تقع على صانع المحتوى وحده؛ فالجمهور ليس متلقيًا محايدًا كما قد يبدو. كل مشاهدة، وكل مشاركة، وكل تعليق، وكل إعادة نشر، تمنح المحتوى فرصة إضافية للحضور. وبذلك يصبح المتابع، بوعي أو من دونه، شريكًا في تشكيل المشهد الذي ينتقده أحيانًا.
وهنا تكمن قوة الاختيار، لسنا مطالبين بالتخلي عن الترفيه، ولا إلى تحويل منصات التواصل إلى قاعات للمحاضرات، لكننا نحتاج إلى استعادة «الفاصلة» بين ما يسلينا وما يستخف بعقولنا، وبين ما يستحق أن نمنحه دقائق من وقتنا وما لا يستحق حتى نقرة واحدة.
فالشهرة ليست مرادفًا للإنجاز، والانتشار ليس شهادة جودة، والملايين لا تمنح الفكرة قيمتها لمجرد أنها شاهدتها.
وقد تكون المشكلة الحقيقية في ثقافة «الترند» أننا أصبحنا نسأل كثيرًا: ماذا يتابع الناس؟ ونادرًا ما نسأل: لماذا يتابعونه؟ وماذا سيبقى منه بعد أن تنتهي الموجة؟
فالترند بطبيعته عابر؛ يولد سريعًا، ويتضخم سريعًا، ثم يفسح مكانه لغيره. أما الأثر فلا يُقاس بعمر الموجة، بل بما تتركه بعد انحسارها.
وفي النهاية، ليست القضية أن نرفض كل ما ينتشر، ولا أن نضع أنفسنا أوصياء على أذواق الآخرين؛ القضية أبسط وأعمق من ذلك: أن نحتفظ بحقنا في التفكير قبل التقليد، وفي الاختيار قبل المشاركة.
فليس كل ما ينتشر يستحق أن يُتبع، وليس كل ما يحصد الملايين يستحق أن يُحتفى به.
وبين الترند والوعي… فاصلة صغيرة في شكلها، كبيرة في معناها؛ اسمها: أن تفكر قبل أن تضغط «مشاركة».












