آخر تحديث: 20 / 9 / 2026م - 11:23 ص

بين الوفاء الذكي والوفاء الأعمى.. خيط رفيع

جمال حسن المطوع


إذا أردنا استعراض مفهوم الوفاء بشكل عام، فهو خلق شريف يعبّر عن إتمام العهود والوفاء بالوعود وعدم نقضها، وهو ضد الغدر، ونحن هنا نسلط الضوء على نوعين من الوفاء المتناقضين: «الذكي والأعمى»، وما بينهما من مفارقات في الرؤية والهدف، كما ذُكر أعلاه.

ونبدأ أولًا بالوفاء الذكي الذي أشارت بعض الدراسات النفسية إلى أن الشخص الأكثر نضجًا من الناحية العقلية يتمتع بقدرة أكبر على إدارة غرائزه واتخاذ قرارات واعية تحافظ على العلاقات المحمودة الفعالة، بدلًا من التخبط وراء الإغراءات.

كما يُنظَر إلى الوفاء في مجمله أحيانًا كدليل على رجاحة العقل والقدرة على تقدير النتائج على المدى الطويل، وتقبُّل صاحبها لثمارها بصدر رحب، كما يحافظ على قوة العلاقة ويبني جسورًا من الثقة والتواصل والالتقاء مع من يتعامل معه، ويُسهم أكثر في كسب الآخرين من خلال أخلاقه وسلوكياته التي تمنح الطرف المقابل الأمن والاطمئنان، لتقوية الترابط الأسري والاجتماعي والإنساني، بعيدًا عن الاهتزازات المنفرة والمزعجة.

وعلى الوجه الآخر، نتطرق إلى الوفاء الأعمى، والذي يعني الالتزام المطلق لشخص أو مكان أو مبدأ دون إعمال العقل أو تقييم المواقف بميزان العدل والمنطق، مما قد يؤدي بصاحبه إلى الهاوية أو استغلاله بشكل بشع، ويضعه في موقف لا يحسد عليه.

إذًا، مفهوم الوفاء الأعمى كذلك يقود إلى الالتزام المطلق لشخص أو مكان أو مبدأ دون إعمال العقل أو تقييم المواقف بميزان العدل والمنطق، مما يفقد صاحبه ميزان الحكمة والتروي فيما يقدم عليه من قرارات ارتجالية.

وقد يتحول من فضيلة إنسانية سامية إلى قيد يجر صاحبه إلى نفق مظلم، أو التورط في أخطاء الآخرين، وعليه، فالوفاء الذكي هو الوعي الحقيقي الذي يقترن بالحق والصدق، بينما الوفاء الأعمى يلغي التفكير النقدي ويبطل البصيرة.

فتكون الإرهاصات المتولدة والمتباينة لكلا المبدأين معلقة فعلًا على خيط رفيع، نحتاج فيه إلى الدقة والتشخيص الفعال والشفاف.

بعد هذه الخلاصة والعصارة بكل ما تحمله من مقدمات وتحليلات وتجليات عقلانية عن مفاعيل الوفاء بشقيه، الذكي والأعمى، لنكون أمام خيارين لا ثالث لهما، أولهما التأمل في الطرحين المذكورين آنفًا بكل بصيرة وتمعن، ومجاهدة النفس على اصطفاء الأصح والأولى بحياة كريمة وفاضلة... والله ولي التوفيق.