آخر تحديث: 19 / 9 / 2026م - 4:40 م

الجار ثم الدار.. حين يتحول الدعاء إلى محبة

رضي منصور العسيف *


قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الممتحنة: 6]

حين نتأمل سيرة السيدة فاطمة الزهراء ، فإننا لا نقف أمام سيرةٍ خاصة بالنساء فحسب، بل أمام مدرسةٍ إنسانية وإيمانية متكاملة، يجد فيها الرجال والنساء معًا القدوة والأسوة.

فعبادتها درس، وأخلاقها درس، وتعاملها مع الناس درس، ومواقفها في البيت والمجتمع مدرسة متجددة في الإيمان والرحمة والمسؤولية.

وكل تفصيل في سيرتها العطرة يحمل رسالة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ لأن القدوة لا تُختصر في جنسٍ أو عمر، وإنما تتجلى في القيم التي يجسدها الإنسان، والمبادئ التي يحوّلها إلى سلوك حيّ وموقف عملي.

موقفٌ خالد من محراب العبادة

ومن المواقف الخالدة التي قدّمت فيها الزهراء درسًا بليغًا لنا جميعًا، ذلك الموقف الذي رواه الإمام الحسن المجتبى ؛ موقفٌ جمع بين العبادة، وحب الآخرين، والدعاء لهم، حتى أصبحت كلمتها: «الجار ثم الدار» قاعدةً أخلاقية واجتماعية عميقة.

رُوي عن الإمام الحسن المجتبى أنّه قال: رأيتُ أمي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعةً ساجدةً حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتسمّيهم، وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء.

فقلت لها:

— يا أُمّاه، لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟

فقالت : «يا بُنَيَّ، الجار ثم الدار» [1] .

الجوار… أكثر من مجرد حقوق

ليست العلاقة مع الجار مجرد جدارٍ يفصل بين بيتين، ولا هي علاقة تقتصر على كفّ الأذى وحفظ الحقوق فحسب، بل هي مساحة رحبة من المودة والرحمة والتكافل.

فالجار الصالح يحمل لجاره قلبًا محبًّا، يفرح لفرحه، ويتألم لألمه، ويتمنى له الخير، ويذكره في دعائه وهو غائب، دون أن ينتظر منه جزاءً أو شكرًا.

حين يتحول الدعاء إلى محبة

وحين تدعو لجارك في ظهر الغيب، فأنت لا تمنحه كلمات دعاء فحسب، بل تزرع في قلبك تجاهه مشاعر أكثر نقاءً وصفاءً. ومع الأيام تتحول هذه المشاعر إلى مواقف: سلامٍ أصدق، وابتسامةٍ أدفأ، وسؤالٍ عند الغياب، ومواساةٍ عند الشدة، ومشاركةٍ في الفرح.

ومن أجمل آثار الدعاء للجار أنه يخفف مساحة الجفاء، ويُذهب كثيرًا من الحساسيات العابرة، ويجعل العلاقة أكثر هدوءًا وتسامحًا. فالإنسان الذي يعتاد أن يرفع يديه إلى الله داعيًا لجيرانه بالخير والصلاح والتوفيق، يصعب عليه أن يحمل لهم حقدًا، أو أن يتمنى لهم سوءًا.

دعاءٌ يصنع مسؤولية

وما أجمل أن نستحضر في دعائنا ما ورد عن الإمام زين العابدين في الدعاء للجيران والأولياء:

«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وتَوَلَّنِي فِي جِيرَانِي ومَوَالِيَّ الْعَارِفِينَ بِحَقِّنَا، والْمُنَابِذِينَ لِأَعْدَائِنَا بِأَفْضَلِ وَلَايَتِكَ، ووَفِّقْهُمْ لِإِقَامَةِ سُنَّتِكَ، والْأَخْذِ بِمَحَاسِنِ أَدَبِكَ فِي إِرْفَاقِ ضَعِيفِهِمْ، وسَدِّ خَلَّتِهِمْ، وعِيَادَةِ مَرِيضِهِمْ...» [2] .

إن هذا الدعاء لا يربي الإنسان على طلب الخير لجاره فحسب، بل يوسّع دائرة المسؤولية تجاهه؛ فالدعاء هنا يمتد إلى رعاية الضعيف، وسد الحاجة، وعيادة المريض، وصناعة مجتمع يشعر فيه الجار أن من حوله سندٌ ورحمة.

من الدعاء إلى السلوك

والدعاء كذلك يفتح باب المحبة المتبادلة؛ فالمحبة الصادقة تظهر في التصرفات، وإن لم نتحدث عنها، والقلوب كثيرًا ما تشعر بمن يحمل لها الخير.

ومن هنا نفهم أن «الجار ثم الدار» ليست مجرد كلمة تُروى، بل منهج حياة، ومدرسة في صناعة المجتمع المتراحم؛ تبدأ من القلب، ثم تتحول إلى دعاء، ثم إلى سلوك، ثم إلى علاقة متينة عنوانها:

محبةٌ بلا مصلحة، ودعاءٌ بلا انتظار، وجوارٌ يصنع الأمان والطمأنينة.

[1]  الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج 1، ص 182

[2]  الصحيفة السجادية، مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِجِيرَانِهِ وأَوْلِيَائِهِ إِذَا ذَكَرَهُمْ
كاتب وأخصائي تغذية- القطيف